في انتظار غسان عويدات

غسان سعود

لا شك أن المدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات كان مشغولاً أمس، لكن ماذا عن اليوم؟
بداية لا بدّ من القول إن عويدات وخلافاً لما يحاول البعض تشييعه هو من أنزه قضاة الجمهورية وأكثرهم احتراماً لحذافير القانون. وهو حين يختلف مع فلان وعلتان من قضاة أو سياسيين فإن سبب الخلاف يكون تمسكه بتطبيق القوانين والالتزام بها، دون اجتهادات أو خروج عن النص. القانون الذي ينص في المادة 308 من "العقوبات" على المعاقبة بالأشغال الشاقة المؤبدة لكل من يسلح اللبنانيين أو يحملهم على التسلح بعضهم ضد البعض الآخر أو "يحض على التقتيل". وتتالى في المواد اللاحقة التفاصيل بشأن المنتمين إلى العصابات المسلحة.
وعليه بعيد تلميحات كل من سعد الحريري ووليد جنبلاط الواضحة جداً والتسريبات الصحافية المتنوعة المصادر بشأن "مغامرات" رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع كان لا بدّ أن يسارع عويدات أمس لا اليوم إلى فتح تحقيق سريع في الموضوع ليطبق ما تنص عليه القوانين في حال تبين صحة ما يلمح إليه الحريري وجنبلاط ويتسرب في الصحافة، أو يتبين العكس فينصف جعجع ويعاقب الحريري وجنبلاط والصحافة. علماً أن غض النظر أو التهرب من المسؤولية لن يؤدي إلى انفجار واحد ومئتي شهيد ودمار منطقة كما حصل في المرفأ إنما سيؤدي إلى انفجارات وآلاف الشهداء ودمار مناطق. مع العلم أن النائب وليد جنبلاط لم ينف في تغريدته أمس أن يكون جعجع قد فاتحه في موضوع التسلح، إنما نفى أن يكون قد فاتحه في موضوع التسلح "كما ورد في إحدى الصحف". وهو قد يكون فاتحه في موضوع التسلح بطريقة أخرى، غير التي وردت في إحدى الصحف. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العلاقة المهنية جيدة جداً بين جنبلاط ورئيس تحرير أحد المواقع الالكترونية التي كتبت عن الموضوع.
في انتظار عويدات؛ من يفترض أن "يعتل هم" سيناريوهات كهذه السيناريوهات: ح. الله؟ لا طبعاً. وما قالته إعلامية ال م ن ا ر ليس مزحة؛ على كل لبناني الاستعاضة ولو لأسبوع عن نتفلكس بسيرز لا تقل تشويقاً وإثارة ولمعة تصوير وإخراج هي "أسرار حرب التحرير الثاني" لتكوين صورة عقلانية عن معركة القصير مثلاً. ولا شك هنا أن جمهور القوات معنيين بمشاهدة هذه السيريز أكثر من غيرهم – في حال كان لديهم نوايا عسكرية أو أمنية – من منطلق معرفة عدوهم لا شيء آخر. مع العلم أن السيريز لا تكشف جزء مهم وكبير من طريقة عمل المقاتلين إنما تظهر المقابلات مع قادة هؤلاء أهمية الانضباط والواقعية واحترام القيم عندهم وتردادهم بشكل دائم أن ضعف خصمهم يكمن في ضعف إرادته وجهله ومبدأ التكفير وافتقاده للقيم. بالنسبة لـ ح. الله فإن أي سيناريو مماثل يعني معركة إضافية في حرب تضمنت ألف معركة ومعركة حتى الآن. من يفترض أن "يعتل هم" ومن يفترض أنه لم ينم أمس وأول من أمس هم أهالي الشباب الذين يمكن أن يزج بهم في مغامرة كهذه المغامرة. أهلهم ونسائهم وأولادهم وهم أنفسهم إذا كانت البروبغندا الحزبية قد تركت في رؤوسهم بعض العقل. هل يتذكر المجتمع حيث تنشط القوات كل تلك المتاريس والقذائف والعبوات وخطوط التماس والدمار والأحزمة الناسفة والقذائف و"الانتصارات" التي لا توجت تنازلاتها بـ"الطائف". هل يتذكر المجتمع حيث تنشط القوات كل تلك العذابات على المعابر والقنص والتهجير والمسيرات في الوديات والتدافع لحجز موطئ قدم في مركب متهالك والنعوش وصور الأبناء بالأبيض والأسود.
حرص نائب رئيس حزب القوات اللبنانية جورج عدوان على نفي وجود أية نية قواتية للإقدام على هكذا مغامرات كان واضحاً وكبيراً، لكن حديث الرئيس سعد الحريري عن رفضه الانخراط في أي مشروع فتنوي يقود إلى اقتتال داخلي واضح هو الآخر وخطير. حديث جنبلاط عن المغامرات مع كل ما سبقه وتلاه من تسريبات تحمل بصمات جنبلاطية، واضح هو الاخر وخطير. وإذا كانت بيانات الدائرة الإعلامية في القوات جاهزة للنفي وتهديد الاعلام بالقضاء، فإن المطلوب من جعجع الادعاء على الحريري أولاً، ثم جنبلاط ثانياً، ثم المسؤول عن الاستعراض القواتي غير المسلح في الأشرفية ثالثاً، لإثارتهم كل هذه الشكوك. فلولا كلام الحريري وجنبلاط والاستعراض القواتي لبقيت التقارير الصحافية مجرد تقارير صحافية، حتى إشعار آخر. مع الأخذ بالاعتبار دائماً جسم جعجع اللبيس؛ فإذا كان فلاناً وعلتاناً قد شارك في حرب هنا أو هناك فإن جعجع يتميز عنهم جميعاً بوجوده في غالبية هذه الحروب من حرب الأخوة في الشمال، فحرب الأخوة داخل حزب الكتائب وحرب الأخوة داخل القوات نفسها بين قوات جعجع وقوات حبيقة، وحرب الجبل، وحرب الجيش والقوات.
بعد إلحاق ح. الله هزيمة تاريخية بجيوش التكفيريين الذين جمعوا من مختلف أصقاع العالم وأرسلوا إلى سوريا لقتال ح. الله. بعد انكفاء الالة الحربية الإسرائيلية التي لا يوازيها آلة عسكرية في منطقتنا. هناك من يفكر بمغامرات، على حد قول النائب السابق وليد جنبلاط وهناك من يعمل لاقتتال داخلي وحرب أهلية على حد قول الرئيس سعد الحريري. يتحرك عويدات أو لا يتحرك؛ هذا مهم طبعاً لكن الأهم هو تفتيح المجتمع حيث تنشط القوات وأهالي ونسوة وأولاد القواتيين عيونهم جيداً لقطع الطريق على أية مغامرات إضافية غير محسوبة، تحاول أن تفعل ما عجزت عن فعله كل مرتزقة التكفير في العالم وكل إسرائيل وكل من يقف خلف إسرائيل.

 

مقالات مشابهة

قبل قلب الطاولة

إعلان الوزير جبران باسيل عن انتظار إشارة من رئيس الجمهورية لقلب الطاولة يثير حماسة الجمهور دون شك لكن التجارب المتراكم...

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...