قبل قلب الطاولة

غسان سعود


إعلان الوزير جبران باسيل عن انتظار إشارة من رئيس الجمهورية لقلب الطاولة يثير حماسة الجمهور دون شك لكن التجارب المتراكمة تؤكد أن خطوط مذهبية حمراء وزعران وإعلام وإعلان ونفاق وأدوات كثيرة وسفارات وأحكام التوافق المذهبي في ديمقراطيتنا المنحوسة يتمترسون خلف الطاولة التي يتحدث باسيل عنها ويمنعون "قلبها”.
لكن، في المقابل، ثمة طاولات صغيرة، تُنكِّد حياة جميع المواطنين دون استثناء، يمكن قلب بعضها دون هزّ الاستقرار السياسي والأمني، يفترض بباسيل الالتفات إليها:
أولاً، طاولة محمد الحوت؛ ذلك الرجل الذي حول مؤسسة عامة إلى مؤسسة خاصة يصرف أموالها كيفما يشاء ويستخدم مقراتها وإعلامها وإعلانها وعمالها ونقاباتها للمنفعة الخاصة دون أدنى حسيب أو رقيب، فيما يدفع المغترب اللبناني وعائلته ثمن بطاقات السفر المرتفعة.
والمقرف هنا كما المؤسف أن عدد كبير من النواب الأعضاء في حزب باسيل وسفرائه وإعلامه يتربعون حول الحوت لإسناد طاولته لاستفادتهم تحت عناوين مختلفة من عطاءات الحوت الكثيرة.
لماذا التأخير في قلب هذه الطاولة أكثر من ثلاثة سنوات؟ وإذا سلمنا بما يتداول عن صعوبة اقتلاعه بشكل كامل، لماذا التأخير في تقليم أظافره عبر نفضة إدارية كاملة وشاملة وتدقيق فوري بمصاريف الشركة؟

ثانياً، طاولات المجالس البلدية التي يتحلق الأعضاء العونيين حول رؤسائها متفرجين على جميع أنواع الفساد والصفقات وسوء الإدارة وانعدام كل من الرؤية والابتكار والتخطيط.
مع العلم أن هؤلاء الرياس ينقسمون مجموعتين: الأولى غير فاسدة بالضرورة لكنها تفتقد لإرادة العمل ولا يضر بالتالي قلب الطاولة عليها والمجيء ببدلاء أنشط بكثير. والثانية فاسدة ومفسدة والمؤسف والمعيب أن بين نواب باسيل من يعتبر أن نقل هؤلاء البندقية يكفي لفتح صفحات جديدة لهم؛ كأن المشكلة كانت في انتمائهم السياسي لا في أدائهم. مع العلم أن التيار الوطني الحر يولي أهمية للعمل البلدي وخصص أكثر من مؤتمر لهذه الغاية لكن شرط دخول أعضاء هذه المجالس البلدية إلى هذه المؤتمرات كان يجب أن يرتبط بإنجازاتهم في بلدياتهم والمشاريع العامة والمحاسبة واستعادة المال العام لا ربطات العنق والبطون المنفوخة بالكسل.

ثالثاً، الهيئات والصناديق التي لا يمكن التصديق أن رئيس الجمهورية عاجز عن مناداة الحريري وبري وجنبلاط إلى اجتماع في القصر الجمهوري يحضره حزب الله ليطلب منهم تسليفه موازنة أو موازنتين دون ميزانيات خاصة بهذه جميعها مهما كانت الأعمال العظيمة التي تنفذها هذه الهيئات والصناديق لأن في ذلك مصلحة اقتصادية للبلد ومصلحة شعبية لجميع الأفرقاء. مع العلم أن عقل الرأي العام يتوقف عن الفرز في نقطة ما، فلا يعود ينفع إخباره عن إصلاح هنا وتغيير هناك ما لم يتحقق اختراق في العناوين الشعبوية الكبيرة. ها هو التفاح يفتقد لدعم الدولة وقد ساءت أوضاع المزارعين لكن لم يمت أحد منهم جوعاً؛ ألا يمكن بعد كل الدعم الذي حظي به مزارع الدخان طوال هذه السنوات أن يعتذر منه بلباقة عن مواصلة الدعم لعام واحد؟

ومن هنا إلى – رابعاً - بعض الوظائف المستفزة لهذا الرأي العام كالعمال في مصلحة سكك الحديد الذين لم يعد أحد مستعداً لسماع ما يقومون به فعلاً من عمل: ألا يمكن إيجاد مسميات أخرى لوظائفهم والإعلان بكل بساطة عن إلغاء هذه المصلحة لحين عودة القطار؟ ألا يمكن بجلسة واحدة لمجلس الوزراء الإعلان عن سلة قرارات شكلية مماثلة تخفف التوتر قليلاً؟ ألا يمكن القول إن جميع الإدارات العامة ستلتزم لمدة عام كامل بعدم السفر على نفقة الدولة اللبنانية، حتى ولو كان لهكذا قرار تأثير محدود على حضور لبنان في المحافل الدولية، علماً أن نفقات سفر الرئاسات الثلاثة لا تقارن بالمناسبة بنفقات سفر المدراء العامين.

خامساً، طاولة المدراء العامين: أولئك الذين يمسكون بكل صغيرة وكبيرة في كل وزارة، فيما يذهب وزير تحت وطأة الانتقادات الشعبية ويأتي آخر ليواجه المصير نفسه، فيما هم يواصلون عملهم بعيداً عن الأنظار دون أن يتوقف أحد عند حقيقة وقوفهم هم لا الوزراء خلف غالبية ما نراه ونسمعه هنا وهناك. ألا يمكن رئيس الجمهورية مصارحة بري والحريري والاتفاق معهما في اجتماع واحد على ذهاب جميع هؤلاء مع كل ما راكموه من ثروات إلى منازلهم دفعة واحدة وتعيين مجموعة جديدة تتمتع بالديناميكية والحماسة للعمل ولا تعرف ما يعرفه الأسلاف عن زواريب الهدر والسرقة والتنفيعات: هل خسر الرئيس سعد الحريري أو ربح في الأوساط الجامعية من رفعه الغطاء عن المدير العام السابق للتعليم العالي أحمد الجمال؟ ربح طبعاً، وسيربح أكثر طالما أن من سيحل محل الجمال سيكون حريرياً أيضاً وسيفعل للحريري كل ما يريده لكنه لن يتورط في ملفات جانبية، أقله أول بضعة سنوات.
هل هذا صعب فعلاً؟ هل يصعب الطلب من رئيس التفتيش تقديم ما لديه عن المدراء العامين للرؤساء الثلاثة قبل الظهر، لإقالة هؤلاء ظهراً، وتعيين بدلاء عنهم بعد الظهر؟

سادساً، المقاولين والمتعهدين وكل من راكموا الثروات الحقيقية، موزعين فتات الفتات للسياسيين هنا وهناك. ألا يمكن قلب الطاولة على هؤلاء بعيد دعوتهم إلى مؤتمر إنمائيّ ما في صالة أحد الفنادق اللبنانية. هل سيكون سعد الحريري حزيناً فعلاً من مصادرة أموال من كانوا مجرد مرافقين لوالده وإذا بهم يتباهون بتسليفه الأموال حين "ينحشر"؟ ألا يحز في نفس بري أن فلاناً وعلتاناً يملكون من الأموال أكثر من باسل وعبدالله بري لأن "الصيط له والفعل لهم".
ألا يعلم بري والحريري وجنبلاط أن التضحية بهؤلاء على مذبح الأزمة الاقتصادية لا يمس بهم من قريب أو بعيد إنما يفيدهم لأنهم سيكونون قادرين على تزكية وجوه جديدة أقل تغطرساً في التعامل معهم قبل غيرهم؟ سيتواصل العمل بالصفقات كما يحصل منذ الأزل لكن ستستفيد الخزينة من استعادة عشرات المليارات المنهوبة من جهة، وستتحمس مؤسسات التصنيف المالي، وسيكون المقاولين الجدد أكثر كرماً تجاه السياسيين.

سابعاً، وزارة الاقتصاد التي يتبين اليوم أنها أكبر الوزارات وأهمها وأكثرها تأثيراً في الحياة الاقتصادية في البلد وهي تتطلب التفاتة عونية جدية لاكتشاف ما يوجد فوق وتحت هذه الطاولة تمهيداً لإحداث انقلاب كامل في جميع مجريات الأمور فيها.

أخيراً العناوين الكبيرة جميلة لكنها بعيدة المنال، فيما يحتاج المواطنين إلى اعتناء معجل ومكرر بعناوين صغيرة. ولا يمكن هنا الاستمرار في حمل عشر بطيخات في يد واحدة؛ لا بدّ من تكرار تجربة ملفي الكهرباء والنفط في جميع الملفات؛ أن يستيقظ القصر الجمهوري ليضع بطيخة واحدة على الطاولة: يبدأ ملفاً ولا ينتقل إلى ملف آخر حتى ينتهي من الملف الأول: ميدل إيست، مصرف لبنان، أزمة نقدية، مجالس وصناديق، مقاولين، قضاء، استعادة الأموال المنهوبة، تعيينات إدارية.
رئيس مجلس كازينو لبنان رولان خوري حاز على إجماع سياسيّ وإعلامي منقطع النظير بشأن نظافته وكفاءته وحسن أدائه، وهو على علاقة جيدة بكل من الرئيس نبيه بري ورياض سلامة فلماذا يؤجل ملف الكازينو من عام إلى آخر ثلاثة أعوام بدل وضعه على الطاولة للقول – خلال أقل من 24 ساعة – لهذه المؤسسة التي تربح فعلنا كل ما يلزم لتربحي أكثر؟
يوجد عشرات الملفات مثل هذا الملف؛ لا يمكن تأمين أو فرض حلول جماعية ولا نفع للجان وغيره وغيره؛ قبل قلب الطاولة يجب وضع هذه الملفات عليها: فتح ملف وعدم الانتقال إلى ملف ثاني حتى الانتهاء من الأول. ما أخذه الفساد بالجملة لا بدّ من استعادته بالمُفرّق.

 

مقالات مشابهة

قبل قلب الطاولة

إعلان الوزير جبران باسيل عن انتظار إشارة من رئيس الجمهورية لقلب الطاولة يثير حماسة الجمهور دون شك لكن التجارب المتراكم...

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...