الرجل الذي أعلن الحرب علينا

غسان سعود

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البداية فقط.
المعلومات تنطلق من أن من يخطط بهذا الشكل لا يمكن أن يعدل فجأة أو يتراجع أو حتى يغير الخطة إنما يأخذ وقتاً بين "ضربة" وأخرى ويعيد تنظيم صفوفه ويعالج الثغرات ويهجم مجدداً.
تجميع معطيات ما حصل يبين أنه بدأ قبل مغادرة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى نيويورك؛ تحديداً حين أُبلغ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أن تجميد موجودات بنك الجمال ممنوع، ولا بدّ من إعادة الجمال لأموال جميع المودعين دون استثناء.
إذا كان لدى الولايات المتحدة مشكلة مع شخص أو جمعية أو حزب أو طائفة يمكن أن تضيفهم على لوائحها وتجمد أموالهم لكن لا يمكن حجز أموال جميع الناس في مصرف هنا وآخر هناك؛ وهو ما التزم به الحاكم خلافاً لتوقعات الأميركيين طبعاً. يعلم سلامة أنه تجاوز الكثير الكثير من الخطوط الحمراء لكن ثمة نقطة أو خط لا يمكن تجاوزهم؛ بقي حزب الله يراعي تيار المستقبل والحزب الاشتراكي حتى وصل مروان حمادة إلى شبكة الاتصالات فكان لا بدّ بالنسبة لحزب الله من 7 أيار. وصلت رسالة لوليد جنبلاط فارتدع، بعد ذلك بسنوات وصلت رسالة لسلامة فارتدع هو الآخر.
وعليه بات القرار الأميركي بحق الجمال دون أي قيمة تذكر: مصرف بالزائد أو بالناقص لا يعني شيء لأي أحد طبعاً، إنما المشكلة في أموال هذا المصرف؛ هذه الأموال كان يفترض أن لا تنتقل بإشراف من رياض سلامة إلى حسابات مصرفية أخرى أو خزنات في المنازل والسراديب.
وهكذا وصل مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة الإرهاب المالي مارشال بيلينغسلي على عجل إلى بيروت؛ يعتقد الأخير أنه يقود فتوحات عسكرية عظمى من خلف "الأيباد"، فيهزم أمبراطوريته وينصر أخرى؛ وساءه بالتالي أن لا تؤدي غارته المصرفية الغاية المرجوة منها، لكنه لم يسمع هنا ما يشجعه.
القطاع المصرفي اللبناني كان أحد الشركاء الرئيسيين لأكثر من مؤسسة أمنية أميركية لكن القيود الأميركية أنهكت هذا القطاع: كان يفترض بالحصار الأميركي أن يضعف حزب الله بشكل رئيسيّ وإذا به ينهك أصدقاء الأميركيين في بيروت قبل غيرهم.
لم يجد مارشال وجوهاً مغتبطة في انتظاره في بيروت إنما وجوهاً قلقة ومنهكة ومستاءة؛ لا فتوش ولا تبولة ولا كبة نية ورقص ودبكة في انتظار الزائر الأميركي في بيروت هذه المرة إنما أسئلة ناشفة عن أسباب زيارته وما يريده منهم أكثر. كم مرة سمع مارشال من أصدقاء سفارته المفترضين يخبرونه هذه المرة أن حزب الله لا يدخل أمواله ضمن النظام المصرفي اللبنانيّ وما يفعله مارشال إنما ينهكم هم ويتعبهم هم لا حزب الله.
ليس حزب الله من ضغط عليهم لتكرار هذه المقولة إنما جيوبهم.
حزب الله ينقل الأموال "كاش" مع الصواريخ، فيما هذه المصارف باتت عاجزة عن استقطاب دولار إفريقي أو خليجي واحد يبحث عن ملجأ آمن بعيداً عن الأنظار.
كان مارشال مضطراً للقول إن ما من عقوبات إضافية بحق أية مصارف جديدة؛ لا يكاد يدخل صالوناً ويرى التجهم باستقباله حتى يحاول أن :يتغادهم" قبل أن "يتعشوه" بهذه الخبرية.
ومع ذلك، لا تنشرح الأسارير. لكن متى فكر الأميركيون بمصالح "جماعتهم" هنا وهناك؟ متى حسبوا حساباً ولو للحظة بما يمكن أن يحصل لجنبلاط حين أرسلوه لتفكيك شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله؟.
رياض سلامة ليس بغباء مروان حمادة؛ لا يمكنه أن يخوض الحرب على حزب الله بالنيابة عن اسرائيل؛ لا مجال لذلك. الرجل باتت عاجزاً عن الذهاب مع أسرته إلى مطعم يوم الأحد لخشيته من نظرات الناس، فيما مارشال يعمل سبع ساعات يومياً ثم يمضي إلى حياته بشكل طبيعيّ جداً.
يعتقد مارشال من مجموعة تقارير ساذجة تصله قبل نهاية كل شهر أنه يعرف "الأرض اللبنانية" أكثر من أي أحد آخر. المؤسسة المصرفية اللبنانية كانت حتى بضعة شهور ماضية أقرب إلى الإدارة الأميركية من أية مؤسسة لبنانية أخرى، لكنها لم تعد كذلك اليوم. وهي بالمناسبة مؤسسة مسيحية - سنية لم يتنامى النفوذ الشيعي بجدية كبيرة فيها بعد. لكن مارشال لا يحسب حساباً لهذا كله؛ مارشال لا يعلم كيف يمكن أن تكون ردة الفعل حين "يدق" بجيوب أصدقائه. رياض سلامة شخصياً لم يعد يقوى على تنفيذ الإملاءات؛ فاقت الطلبات قدرته على الاحتمال. ليس رياض سلامة فقط إنما عدنان القصار وعودة وروفايل والأزهري وطربيه وغيرهم وغيرهم؛ لا يريد هؤلاء من مارشال سوى أن "يحل عنهم" وعن حساباتهم.
صعد مارشال في طائرته وبدأت الحرب.
انتهت الجولة الأولى دون خسائر تذكر، لكن مارشال يملك ماكينة إعلامية قوية وقدرة على نشر الشائعات وعدد كبير من المتعاونين طبعاً و... الانتحاريين. ولا شك أن الأيام المقبلة ستسهم في اتضاح صورة الاصطفافات.

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

باسيل وزيراً للخارجية والكرامة و… الاقتصاد في نيويورك

خلال زيارة وزير خارجية لبنان للولايات المتحدة توقف الرأي العام عند موقفين بارزين: الأول أثار إعجاب العونيين بشكل رئيسي...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...