باسيل وزيراً للخارجية والكرامة و… الاقتصاد في نيويورك

غسان سعود

خلال زيارة وزير خارجية لبنان للولايات المتحدة توقف الرأي العام عند موقفين بارزين:
الأول أثار إعجاب العونيين بشكل رئيسي وهو المتعلق بقول باسيل إنه يمثل لبنان ومرجعيته الوحيدة هي الدولة اللبنانية لا السعودية ولا إيران ولا الولايات المتحدة أو غيرهم.
الثاني أثار إعجاب جمهور حزب الله بشكل رئيسي وهو المتعلق بقول باسيل إنه لا يستطيع في المبدأ إدانة الهجوم اليمني على السعودية دون إدانة الهجومات السعودية على اليمن.
لكن الموقفين المبدئيين والشعبويين يعتبران شكليين؛ عند التعمق في مضمون ما قاله باسيل وفعله لا بدّ من التوقف عند ما هو أهم بكثير:
وزير خارجية لبنان كرر أكثر من مرة مباشرة وغير مباشرة أنه لم يطلب مواعيد مع أحد في الإدارة الأميركية؛ إذا كان لديهم اهتمام بمتابعة التنسيق مع الممثل الرسمي للدولة اللبنانية في العلاقات بين الدول أهلاً وسهلاً يمكنهم أن يطلبوا اللقاء؛ من جهتنا، قالها باسيل، ليس لدينا أية مطالب عاجلة أو ملحة لنطلب مواعيد بشأنها. حاول باسيل أن يتحدث في إحدى مقابلاته بأكثر دبلوماسية ممكنة للقول إنه ليس ممن يطلبون موعداً. حاول تلطيف موقفه بأكثر طريقة ممكنة أيضاً لكن من اعتاد رؤية السياسيين الذين لا يتمتعون بأدنى كرامة كان لا بدّ أن يلحظ فائض الكرامة هنا: إن رغبوا بلقائنا "كان به"، سبق أن التقينا بهم في بيروت وقمنا بواجب الضيافة على أكمل وجه، ولم تحصل أية تطورات تستدعي منا طلب موعد بشأنها.
تمهلوا أكثر: في وقت تنكب بعض الماكينات المعروفة على التهديد والوعيد والتلويح لباسيل بعقوبات أميركية وغيره وغيره، لا يجد باسيل نفسه مضطراً لطلب موعد واحد مع أي أحد في الإدارة الأميركية ليبرر مواقفه أو يلف حولها ويدور؛ علماً أن بين أصدقاء باسيل الأميركيين من أصل لبنانيّ من يمكنهم تأمين الاستجابة السريعة لمئة موعد وموعد، وبين أصحاب شركات النفط التي تتسابق على خطف ود باسيل من بوسعهم تأمين استجابة سريعة لمئة موعد وموعد، والاستثمار الباسيليّ في مكاتب اللوبي لتأمين المواعيد ولا أسهل طبعاً لكن وزير خارجية لبنان يعتبر أن مواقفه واضحة وثابتة ولا حاجة أبداً لإزعاج الأميركيين وتضييع وقتهم بإعادة تكرارها على مسمعهم.
في بلد يتسابق فيه السياسيون على الركوع في صف طويل على طول الطريق إلى السفارة الأميركية للقاء ملحق ثقافي أو رياضي في السفارة إذا تعذر عليهم لقاء السفير لإنهاك أذنيه بكل أنواع وأشكال النميمة، يقول وزير خارجية هذا البلد إنه لم يطلب أية مواعيد. لا تهمه الصور التذكارية ولا يعنيه اللقاء لمجرد اللقاء، فيما يعنيه في المقابل لقاء وزير الخارجية العراقي أكثر من مرة لتسهيل تصريف الانتاج الزراعي والصناعي اللبناني في العراق؛ وزير خارجية لبنان يتحدث في بيان رسمي من أروقة الأمم المتحدة عن أهمية تصريف التفاح مع بداية الموسم. يبدو ذلك غريباً ومستهجناً لمن يعتبرون أن السياسة عنتريات بعنتريات، فيما يبدو أكثر من طبيعي وضروري لمن يعتبر أن السياسة تبدأ من تصريف موسم التفاح لمن يواجه بلده ظرفاً كالظرف الاقتصاديّ الصعب الذي تواجهه الدولة اللبنانية. وهكذا بدا واضحاً أن باسيل غير معني باللقاءات غير المنتجة ومعني في المقابل بلقاء وزير خارجية البرازيل التي تفعل كل ما يسعها لتأمين أكبر استفادة للبنان من اتحاد دول أميركا الجنوبية؛ البحث مع دول الميركوسور لا يتعلق بتصريف الانتاج اللبناني فقط إنما باعتماد هذه الدول الصاعدة لبنان كمركز انطلاق لهم إلى جميع دول المنطقة. الاتحاد الأوروبي يبحث كالصين عن بوابة آمنة إلى سوريا مع بدء إعادة الإعمار والعراق وغيرهما. يعنيه لقاء وزير خارجية سلطنة عمان التي تحاول مد جسور تواصل بين إيران ودول الخليج. يعنيه جداً لقاء نائب رئيس مجلس الوزراء القطري ووزير الخارجية لاقناع قطر في الاستثمار في بعض المشاريع، لا سيما النفطية منها. وفي نفس السياق، يعنيه لقاء وزير الخارجية القبرصي لنقاش مسهب في الملف النفطي. ‏بحث العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي ممثلاً بمسؤولة العلاقات الخارجية فدريكا موغريني أهم بالنسبة لباسيل من اللقاءات المخصصة لتكرار المواقف السياسية المعروفة، وها هو يحاول هنا مرة جديدة فتح ثغرة في جدران الاتفاقيات التجارية مع أوروبا وإيجاد مخارج مشتركة في ما يخص أعباء النازحين السوريين. مع وزير خارجية الدانمارك يتضح أكثر فأكثر أن احتمالات تحقيق اختراقات اقتصادية واردة جداً. هنغاريا إحدى الدول التي وقعت اتفاقيات اقتصادية جديدة مع لبنان تسمح للصناعات الغذائية اللبنانية والنبيذ وغيرهما بعبور الحدود.
الولايات المتحدة تدقق اليوم بمصدر كل دولار يدخل ويخرج إلى لبنان ولا حل للإتيان بالدولارات دون قيد أو شرط غير التصدير.
وخلافاً لما يسوقه البعض يمكن للبنان أن يصدر غير الأدمغة: لو انتقل جميع اللبنانيين للعمل في الصناعات الغذائية لا يمكن تأمين طلب السوق الأوروبي والخليجي ودول أميركا الجنوبية إذا تأمنت الاتفاقيات التجارية اللازمة. اتفاقية واحدة مع الصين قضت باستيراد 10 ملايين "قنينة" نبيذ سنوياً تعني ضخ مئة مليون دولار في المصارف اللبنانية.
الوضع الاقتصادي صعب لكن لا يبعث على الاستسلام إنما على مزيد من العمل في الاتجاه الصحيح: 1. حصر النفقات أكثر فأكثر في الموازنة. 2. زيادة المداخيل عبر سلة كاملة. 3. تخفيف عجز الكهرباء عبر الإسراع في تنفيذ الخطة لا تضييع المزيد من الوقت والأموال. 4. فتح الاستثمار في النفط. 5. استحداث اتفاقيات تجارية والبدء بالتصدير. 6. استقطاب أعداد أكبر من السواح، وهو ما بدأ يتضاعف بشكل إيجابي جداً مع كل من الصين وألمانيا.
الرؤية الباسيلية هنا واضحة وهي ليست مجرد عناوين أو أفكار أو فلسفات أو خطط إنما إجراءات.
المحادثات الاقتصادية تطغى على المحادثات السياسية في أحندة باسيل. الاستقرار السياسي تأمن أخيراً. الاستقرار الأمني تأمن أخيراً أيضاً. لا أولوية إذاً تتقدم أولوية تأمين الاستقرار الاقتصادي. سقطت هنا نظرية رياض سلامة: الاستقرار الاقتصادي يؤمن استقرار العملة، لا العكس.
كيف يتأمن الاستقرار الاقتصادي؟ تأمين توازن في الميزان التجاري: تخفيف الاستيراد إلى أقصى حد ممكن وزيادة التصدير إلى أقصى حد ممكن. رفع الضرائب على بعض الواردات يسهم في تخفيف الاستيراد. تفعيل الرقابة الجمركية يسهم في تخفيف الاستيراد. زيادة الوعي الشعبي لخطورة الاستيراد يسهم في تخفيف الاستيراد. أما الصادرات فتأخذ الخارجية على عاتقها مهمة فتح أبواب جديدة لها في مختلف أنحاء العالم.
أين الولايات المتحدة في هذا كله؛ الولايات المتحدة التي كرر باسيل القول أكثر من مرة إنها دولة صديقة للبنان والجيش اللبناني ترفض هبوط طيران الشرق الأوسط على أراضيها. “تشفط" الدولارات من السوق اللبنانيّ دون أن تشتري في المقابل أية منتوجات لبنانية، ولو لرفع العتب كما فعلت الصين في النبيذ مثلاً. الحب الذي تحدث باسيل عنه إنما هو حب من جهة واحدة: أرقام وزارة التجارة الأميركية تشير إلى تصدير الولايات المتحدة إلى لبنان ما قيمته 1.44 مليار دولار سنوياً: وقود وزيوت معدنية بقيمة 445 مليون دولار، سيارات بقيمة 343 مليون دولار، آلات ومعدات كهربائية بقيمة 130 مليون دولار، مواد غذائية ومشروبات وتبغ بقيمة 58 مليون دولار. أما لبنان فلا يصدر أي شيء يذكر إلى الولايات المتحدة ويقفل الأميركيون هنا أبواب الحوار. الاقتصاد اللبناني يكاد لا يستفيد بدولار واحد من الأميركيين، فيما يذهب من لبنان إلى الولايات المتحدة 1.44 مليار دولار سنوياً.
أميركياً يمكن القول إن زيارة باسيل لنيويورك هدفت إلى القول بالشكل والمضمون إن استجداء الرضى أو التفهم الأميركي غير واردين، أما اقتصادياً فبدا واضحاً من نتائج اللقاءات أن آفاق التعاون الاقتصاديّ واسعة جداً ومشجعة وما بدأ العمل به مع عدة دول سيستكمل بسرعة أكبر.

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

باسيل وزيراً للخارجية والكرامة و… الاقتصاد في نيويورك

خلال زيارة وزير خارجية لبنان للولايات المتحدة توقف الرأي العام عند موقفين بارزين: الأول أثار إعجاب العونيين بشكل رئيسي...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...