الحريري يدير ظهره لعون وباسيل ويرتمي في حضن بري

غسان سعود

عن قصد أو عن غير قصد يلعب رئيس الجمهورية منذ انتخابه رئيساً دور الحصن بالنسبة لرئيس الحكومة.
يكفي في هذا السياق أن يسأل كل شخص نفسه متى كانت آخر مرة سمع فيها أحدهم يوجه انتقاداً من قريب أو بعيد لرئيس الحكومة مقابل سيل الانتقادات لرئيس الجمهورية، ومتى – في المقابل – كان رئيس الجمهورية منذ الطائف يُحمل مسؤولية كل ما يُحمّل لميشال عون اليوم من شح الدولارات إلى انقطاع ورق الحمام في أحد المنازل في إحدى القرى البعيدة.
حتى انتخاب عون رئيساً، كان التأزم الاقتصاديّ والهدر والفساد وغيره وغيره مسؤولية رئيس الحكومة وحيداً أوحد؛ فجأة، لم يعد أحد يأتي على ذكر رئيس الحكومة، وإذا حصل وسألت من كانوا يشيطنون السنيورة حين كان وزيراً للمال عن اسم وزير المال الحالي سيقولون لك جبران باسيل.
مخصصات رئاسة مجلس الوزراء في موازنة 2019 بلغت ١.٠٢٦.٩١٠.٢٣٠.٠٠٠ ل ل فيما موازنة رئاسة الجمهورية بلغت ١٤.٤٥٦.١٣٨.٠٠٠ ل ل وهو ما يعني أن مخصصات الحريري إنما هي ضعف ميزانية رئيس الجمهورية بـ71 مرة. ما تنفقه رئاسة الجمهورية في عام كامل تنفقه رئاسة مجلس الوزراء كل أربعة أيام. صباح كل يوم من 365 يوماً في السنة، تنفق رئاسة مجلس الوزراء نحو 3 مليار، فيما يجن جنون الجماهير الثورية إذا رئيس الجمهورية حجز في فندق في نيويورك بدل أن يحجز air BNB. علماً أن سؤال الحريري ولو همساً عن تفصيل ما في هذا الانفاق كله يخرج العمائم البيضاء فوراً ويبدأ النحيب المذهبي على حقوق الطائفة السنية ويخرج نجيب ميقاتي بفانيلا حنين ليبدأ القرع على صدره قبل أن يلاقيه تمام سلام ومحمد سلام وسائر أعضاء فرقة زفة الصلاحيات. وهؤلاء يحق لهم بالحديث عن صلاحيات الطائفة السنية دون أن يرشقهم أحد باتهام واحد بالمذهبية فيما ستدمي مواقع التواصل الاجتماعية العونيين إذا نطقوا بكلمة صلاحيات.

مع ذلك، ارتضى العونيون أن يتحملوا لوحدهم كامل المسؤولية عن كل ما يحصل رغم أن جميع قرارات "الحل والربط" في يد الحريري وليست في يدهم، لكن الغريب هنا أن الحريري الذي يفترض أن يكون ممنوناً لتحمل هؤلاء تبعات سياساته الاقتصادية الموروثة آثر الانضمام إلى التحالف المعنيّ بمحاصرة ميشال عون.
دعكم هنا من موقف الحريري المتعنت حتى الآن في ما يخص تغيير رياض سلامة ومحمد الحوت وتعيين مجلس إدارة جديد للإنماء والإعمار، ومعاتبته لجنة المال والموازنة بدل شكر رئيسها النائب ابراهيم كنعان لتخفيضها العجز أكثر من واحد بالمئة، ووضعه علي حسن خليل عن يمينه ويوسف فنيانوس عن يساره ليأخذ بمشورتهما في كل صغيرة وكبيرة. دعكم من هذا كله، فهذا قديم؛ الجديد أخطر بكثير حيث يمكن الحديث عن ثلاثة ملفات طارئة:

1. مخالفته المادة 103 من النظام الداخلي لمجلس النواب، حيث لا يمكن لرئيس الحكومة أن يسترد مرسوماً موقعاً من رئيس الجمهورية إلا بموجب مرسوم آخر موقع أيضاً من رئيس الجمهورية، لكن سعد الحريري عمد أمس إلى خرق النظام الداخلي لمجلس النواب، معتدياً على صلاحيات وحقوق رئاسة الجمهورية، لإيقاف المرسوم رقم 4046. هذا المرسوم يتعلق بمشاريع بدأ العمل فيها قبل أربع سنوات، ولا يعني "تذاكي" الحريري الأخير سوى إيقاف الأعمال في منتصفها:
- طريق مار شعيا – العطشانة – عين علق التي يعاني الأهالي من تحفيرها ستبقى محفرة وسيستحيل عليهم الوصول إلى منازلهم عند تساقط الأمطار، لا لشيء سوى أن الحريري يرغب بأن يزداد عدد الشامتين بالعهد والشاتمين لرئيس الجمهورية.
- كل المجارير التي حفرت شبكاتها، ستبقى على حالها ويتفيض الطرقات بالمجارير لأن سعد الحريري أراد لأسباب مجهولة بشكل كامل أن تفيض طرقات جبل لبنان بالمجارير.
- طريق إهمج – اللقلوق التي يعاني من يقصدونها الأمرين ستبقى على حالها حتى إشعار آخر لأن الحريري يرغب بذلك.
- طريق درعون – حريصا أيضاً.
وتطول القائمة طبعاً، دون أن يكون للموقف الحريري ما يبرره إلا رغبته بإحراج العهد أمام ناسه أكثر فأكثر حتى في هذه المشاريع الصغيرة التي يمكن التأخير في إنجازها أن يكون مضراً جداً لتأثيره المباشر على عدد كبير جداً من المواطنين سيعلقون الآن في زحمة السير ووسخ المجارير والطرقات غير الآمنة، محملين ميشال عون المسؤولية. وهو لم يطلب تأجيل التنفيذ مثلاً أو إعادة النظر بالنفقات أو غيره إنما ألغى مشاريع بدأ العمل فيها، وهو ما يحمل الدولة تبعات مالية كبيرة لوضوح العقود بهذا الشأن. مع العلم أن تكلفة جميع هذه المشاريع الحيوية المقرة عبر ثلاثة قرارات حكومية وقد بدأ تنفيذها عام 2014 لا تصل إلى 10 بالمئة مما تنفقه هيئة الحريري للإغاثة دون حسيب أو رقيب.
وبالعودة إلى الخلاف الحريريّ - العونيّ بهذا الشأن، علم موقع Refresh.com.lb أن باسيل حاول إقناع الحريري قبيل الجلسة النيابية بعدم المضي قدماً في المطالبة بسحب المرسوم دون مرسوم آخر، خصوصاً أن ليس هناك أبداً ما يبرر هذا الموقف لكن الحريري رفض. رغم علمه أن هذه المشاريع يعني رئيس الجمهورية وليس أي نائب أو وزير تمسك بالرفض، كما رفض في اليوم التالي أن يشرح لماذا يريد إيقاف هذه المشاريع، فهو لا يستطيع التذرع بالتقشف طبعاً لأن ذلك سيفتح أبواب جهنم على ما تنفقه رئاسة مجلس الوزراء هنا وهناك، كما لا يستطيع القول صراحة إن جهاد العرب لا يستفيد من هذه المشاريع فلا يمكن إذاً استكمالها.
ولتزداد هنا جدية الشكوك العونية، كان لافتاً تضامن رئيس المجلس السريع مع الحريري، واعتباره أن محاولة العونيين التصدي لهذا المس الوقح بالنظام الداخلي لمجلس النواب وحق رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعاً إنما هو تعدي على صلاحيات رئيس الحكومة، في ظل انتظار ميقاتي غمزة من بري ليبدأ القرع على صدره؛ هاتفاً: الصلاحيات، الصلاحيات.
ولا بدّ هنا من القول إن العنجهية والفوقية التي أظهرها الحريري يستحيل تصديقها، لمجرد مطالبته من العونيين بشرح الأسباب؛ لم يقل هؤلاء لرئيس حكومتهم لا، إنما طالبوه بأن يشرح لهم الأسباب ليتمكنوا من شرحها بدورهم للمواطنين وإذا به يقاطع كلمة الوزير الياس أبو صعب المهذبة جداً والدبلوماسية وينكعه بكتفه ويركل الكراسي في طريق خروجه من القاعة.
في وقت كان رئيس وزراء بريطانيا يعود على عجل من الأمم المتحدة ليقف في قفص الإتهام أمام مجلس النواب البريطاني لينهالوا عليه بالأسئلة لأكثر من 36 ساعة، كان رئيس مجلس وزراء لبنان يرفض الإجابة على سؤال واحد؛ هكذا يكون من تكون الديمقراطية السعودية مثاله الأعلى ووليّ العهد السعوديّ عقدته الكبرى.

2. حين توصل الفرقاء السياسيين إلى تسوية بشأن المادة ثمانين من الموازنة، قدم الحريري ما يشبه التعهد بتصويته إلى جانب العونيين بهذا الشأن، وهو ما عاد وأكده قبل موعد الجلسة بقليل، وإذا بالحريري يفاجئ كتلته أولاً والعونيين ثانياً بالتصويت على هوى الرئيس نبيه بري ضد العونيين.

3. ألفا. حين وزعت مغانم الاتصالات، تركز النفوذ العوني في ألفا، مقابل حركة أمل في Mtc والمستقبل في أوجيرو، مع حصول الشركات المحسوبة على المستقبل على حصة الأسد في العقود الضخمة الموقعة مع شركتي الخلوي، ولم يحصل هنا أي خلل حتى حين تولى بطرس حرب وزارة الاتصالات لكن رئيس مجلس إدارة ألفا مروان حايك يعتبر نفسه مديناً لشهاداته وخبرته بوصوله إلى موقعه ويتصرف على هذا الأساس مع جميع الأفرقاء دون استثناء بما فيهم باسيل، وهو أمر تعايش معه باسيل كما حرب وبعده جمال الجراح، لكن عقل وزير الاتصالات الحريريّ الجديد لا يحتمل أن يرفض له طلب، ولديه في هذا السياق قدرة كبيرة على الضغط تتمثل بانتهاء العقد مع ألفا عند نهاية العام الحالي. وعليه ابتدأ التلويح للشركة المشغلة لألفا بنية الحكومة إجراء مناقصة هذه المرة، بدل التجديد أو التمديد. وعليه حضر رئيس أوراسكوم نجيب ساويريس إلى بيروت لإنقاذ آخر العقود المثمرة لشركته التي لم يبقى لها الكثير في العالم، وانشغل عن تويتر حيث يمضي غالبية وقته بالبحث مع محمد شقير عما يمكن فعله. كل ذلك دون "تعبير" باسيل من قريب أو بعيد رغم أن الشركة كما سبق الإشارة تعتبر من حصة المسيحيين في التقاسم الطائفي – السياسي للسلطة. ومع ذلك لم يعلق باسيل أو يحتج أو حتى يسأل، لاعتقاده أن ثمة احترام نهائي من جانب الحريري لتوزيع النفوذ، وإذا بالقرار المرسل من "ساويريس" لشقير لا يتضمن كف يد مروان حايك فقط إنما تعيين رئيس مجلس إدارة جديد مقرب من حركة أمل أولاً، ولا يتمتع بالمواصفات القانونية اللازمة لشغل هذا الموقع ثانياً، ودون استشارة أي أحد بهذا الشأن ثالثاً. ولم تقف الأمور هنا إذ تضمن القرار كف يد المدير المالي أيضاً وهو في الوقت نفسه رئيس لجنة المال في التيار الوطني الحر ليتبين أن شقير ينفذ انقلاباً كاملاً على العونيين في ألفا، تماماً كما سبق لمدير أوجيرو أن فعل في أوجيرو. وعليه، كان لا بد هنا من تدخل باسيليّ عاجل لإبلاغ كل من يعنيهم الأمر أن هذا الانقلاب – إذا حصل – لن يمر مرور الكرام حيث سيرفض التيار الوطني الحر وحلفائه في الحكومة التمديد أو التجديد لألفا وسيطالبون بحصول مناقصة بهذا الشأن. وعليه جمد شقير قراره دون أن يتبين حتى الآن ما إذا كان وزير الاتصالات قد نسق "المؤامرة" مع حركة أمل كما فعل الحريري في مجلس النواب أم أن اختيار رئيس مجلس إدارة أمليّ كان مجرد خطأ تكتيكي. الجدير ذكره هنا أن لجنة الاتصالات تعمل منذ شهور على إعداد مساءلة استثنائية للمعنيين بقطاع الاتصالات بشأن الانفاق غير الطبيعي والهدر الاستثنائي للمال العام عبر مختلف أشكال المزاريب، في ظل إجماع من يتابعون الملف على حماية الشركتين لنفسيهما عبر ترك مهمة التوقيع على الهدر بجميع أشكاله لوزير الاتصالات أياً كان اسمه، وعليه فإن المذنب في جميع ما ركزت اللجنة عليه من مصاريف في العامين الماضيين هما الجراح وشقير، وإذا بجهة مجهولة "تكب" على الهواتف الخلوية أكاذيب توحي بأن إقالة حايك أسبابها إصلاحية فيما السبب الأوحد للإقالة هو بحث شقير عن مدير عام لألفا مثل المدير العام لـ mtc يشتري لشركته المباني التي يرغب شقير بتأمين بيعها بأعلى سعر ممكن، كما يتعاون مع الشركات الكبرى التي تقتضي مصلحة شقير – لا مصلحة الشركة أو الخزينة أو المواطنين – بالتعاون معهم.

هل يوجد قرار حريريّ بإدارة الظهر للعونيين والارتماء في أحضان نبيه بري، طالما أن "الكيمياء" المتبادلة بين رئيس الحكومة وكل من علي حسن خليل ويوسف فنيانوس لا يوجد ما يشبهها بين الحريري والوزراء العونيين؟ هل هذا كله تراكم صدف أو تراكم خطط؟ هل آن الأوان ليضع العماد عون قناع الدبلوماسية والأبوة والتفهم جانباً ويظهر للحريري قبل غيره الوجه الحقيقي للرئيس القوي؟

 

مقالات مشابهة

سامي للسعوديين: جعجع وجنبلاط خونة.. وأنا البطل

تستحق مقابلة رئيس حزب الكتائب سامي الجميل مع صحيفة الشرق الأوسط أن تقرأ كلمة كلمة للتمعن في كيفية تقديم هذا السياسي اللب...

جعجع في كندا: الاتكال في الحشد على جوزف عطية

تبين أن العامل الرئيسي في استقطاب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع للمغتربين اللبنانيين في كندا هو ... الفنان جوزف عط...

مكاري ونكاته المقرفة

لا بدّ أن تقصد "سيارة الاصلاحات" قصر النائب السابق فريد مكاري في أنفة لتتزود بالبنزين؛ نائب رئيس مجلس النواب السابق الشا...

روكز يتبنى اقتراح جعجع: "حكومة اختصاصيين"

على طاولة الحوار الاقتصادي في قصر بعبدا فتح كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري عينيهما غير ...