الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

غسان سعود

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغريداتهم و"ليكاتهم" و"شايراتهم على ذلك الكوكب.
على ذلك الكوكب الآخر يوجد كهرباء ومياه وحلول بيئية مستدامة واستشفاء ومدارس وفرص عمل ومستقبل، فلا تجد الجيوش الإلكترونية ما تتقاتل بشأنه سوى الاختلاف على "بيّ" مين أقوى من "مين". الأوضاع على مواقع التواصل الاجتماعي بألف ألف خير، فلا يشعر أحد أن من واجبه أن يقود سيارته إلى منزل من منحه صوته التفضيليّ لسؤاله عما ينوي فعله؛ لا أحد يشعر أن من واجبه ترك كل ما يلهونه به والهروع إلى وزارتي المال والاقتصاد ومصرف لبنان لمحاصرتهم ومنع الدخول أو الخروج منهم وإليهم.
اليوم ثمة أربع صرخات رئيسية: 1. أصحاب محطات الوقود. 2. شركات استيراد الطحين. 3. البلديات التي تتأخر وزارة المال في تحويل مستحقاتها. 4. المستشفيات التي تتأخر وزارة المال في تحويل مستحقاتها.
لكن غداً أو بعده، أسبوع أو أسبوعين أو شهر في الحد الأقصى وستكونون أمام عويل لا مجرد صراخ. كل من يستوردون المواد الغذائية بكل أنواعها، وكل من يستوردون الخشب والحديد والألمنيوم والسيارات وقطع الغيار والملابس والسيغار والهواتف واللمبات وكل ما يرى وما لا يرى.
قريباً جداً، بعد شهر أو شهرين ستكتشفون أن مواداً كثيرة قد انقطعت من السوق، لأن التجار لا يملكون الدولارات لاستيرادها.
هذا واقع لا محالة؛ مع "سيدر" أو من دونه؛ قرار رياض سلامة واضح وحاسم بمنع خروج الدولارات إلا عند الضرورة القصوى. نجح رياض سلامة في دفع أصحاب الأموال إلى تجميد أموالهم بدل الاستثمار في القطاعات الصناعية والسياحية والزراعية، فيما بقي التجار خارج قبضة سلامة أما اليوم فسيقول لهم: ما لكم وما لهذه التجارة؛ أبقوا أموالكم في مصارفي بدل استيراد البضائع وأنا كفيل بإعطائكم عبر الفوائد ضعف ما تؤمنه التجارة.
وعليه سيجد المواطن نفسه أمام رفوف فارغة في الدكاكين والسوبرماركت، فيما سعد الحريري غاطس في مشاكله الخاصة، ورياض سلامة يتأمل جوائزه بكل فخر واعتزاز، ووزير الاقتصاد يتناقش مع زميلته مي شدياق وسكرتيرته القواتية في الفرق بين تعامل كل من جعجع وباسيل مع وزرائه؛ بدل التحرك السريع لتأمين السيولة اللازمة من الدولارات لمنع انقطاع المواد الأولية من محروقات وطحين وغيره وغيره، ومنع استغلال المزارع والصناعي اللبناني لانكفاء المنافسة الأجنبية فيرفعون بدورهم الأسعار.
ثمة دول واجهت تحديات مماثلة لما تواجهه دولتنا، مع فارق وحيد فقط، يتمثل باتخاذ حكومات تلك الدول كل الإجراءات اللازمة لتحويل الضعف الاقتصادي إلى قوة، عبر دعم فوري للقطاعات الإنتاجية وتركيز رسمي على التصدير، أما هنا فيتجاهل الحريري بشكل كامل البحث الصيني عن فرص استثمارية هنا وهناك، ولا يبالي بتأخير تنفيذ خطة الكهرباء ويفعل كل ما يلزم لتعطيل توقيع لبنان شراكة اقتصادية مع اتحاد دول أميركا الجنوبية حتى لا يحتسب تصدير المنتوجات اللبنانية إلى هناك إنجازاً لخصمه في البقاع الوزير حسن مراد.
لا حل في المدى المنظور لانقطاع الدولار؛ هذه ثابتة نهائية لا مجرد رأي أو تحليل.
لكن – صدقوا – هذه ليست مشكلة، يمكن انقطاع الدولار أن يكون أمراً مناسباً جداً للصناعة والزراعة والسياحة المحليين، شرط وجود استراتيجية حكومية معجلة ومكررة تبدأ العمل لتأمين بديل محليّ للأساسيات، مع كل ما يستلزمه ذلك من استيراد معدات أولاً ويد عاملة متخصصة أحياناً ثانياً وتسهيلات مصرفية ثالثاً، وتسهيلات إدارية في التراخيص وغيرها رابعاً، لكن الحكومة لا تبالي بهذا كله؛ الحكومة "ما بالها بال".
مهلاً، ليست الحكومة وحدها؛ المواطنون أيضاً. المسؤول لن يفكر بمسؤولياته طالما لا يوجد مئة مواطن من أصل خمسة ملايين مستعدون لمساءلته. التنكيت والمسخرة على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعتبران أبداً مساءلة. ولا أسوأ في هذا السياق من الاثنين السابق ذكرهما غير ما يسمى بغرف التجارة والصناعة والزراعة؛ تلك الإمبراطوريات التي تودع ثروات هائلة في المصارف تصرف فوائدها على حفلات المجاملة والعلاقات العامة، فيما يكتفي رؤسائها باستعراض البذلات البشعة، بدل الشروع في ورشة استنهاض الزراعة والصناعة وتحقيق الأهداف التي وجدت هذه الغرف في الأساس لتحقيقها.
وإذا كان لا بد من إضافة هنا فلا بد أن يضاف المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي تواصل حكومة التقشف والتعتير منح رئيسه شارل عربيد 2 مليار و462 مليون و630 ألف ليرة سنوياً ليستمتع بالسيغار والكافيار في مبناه الـ Chic في وسط بيروت.
ماذا يفعل عربيد ومجلسه الطويل العريض في هذا الظرف الاقتصادي الاجتماعي العصيب؟ "يفقون" البزر، ينادون على بعضهم بعضاً كل بضعة أسابيع ويحضرون معهم أكياس البزر ويبدؤون ورشة طويلة عريضة لتفقية البزر.
من يعيشون على كوكب آخر من سياسيين وناس لا يعنيهم كل ما سبق، أما من يعنيهم فيسألون فوراً عما يمكن فعله؛ هؤلاء عليهم أن يتأكدوا أن أموال السياسيين مودعة في مصارف أجنبية ولدى غالبية هؤلاء السياسيين منازل في دول تلك المصارف أما هم فلا يملكون ترف الاختيار وما ينتظرهم سيء وصعب ومخيف ولا يمكن تجاوزه أو التعايش معه بتغريدة هنا وبضعة شتائم هناك؛ لا بدّ من تحديد المشاكل الحقيقية لا الملاهي، والتركيز عليها وحدها والتحرك باتجاه المسؤولين عنها.
المكان الطبيعيّ للشباب الخائفين على مستقبلهم في وضع مثل وضعنا هو في وزارات المال والاقتصاد ومصرف لبنان وغرف الصناعة والتجارة والزراعة، بموازاة تحويل مقر المجلس الاقتصادي الاجتماعي بعد احتلاله وطرد العربيد منه إلى مقر للمحكمة الشعبية لكل من أوصل الاقتصاد إلى ما هو عليه، يتقدمهم رياض سلامة طبعاً.

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

باسيل وزيراً للخارجية والكرامة و… الاقتصاد في نيويورك

خلال زيارة وزير خارجية لبنان للولايات المتحدة توقف الرأي العام عند موقفين بارزين: الأول أثار إعجاب العونيين بشكل رئيسي...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...