سمير جعجع: إنه الفراغ

غسان سعود

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق تعداده مآخذ القوات على المستقبل، توقف جبور عند الانتخابات الرئاسية ليقول: "لو نَسّق الحريري خطواته مع جعجع ولم يتفرّد بترشيح عون في مرحلة، وقبله فرنجية، لَما وصل عون إلى بعبدا".
هكذا نسف جبور كل ما تحاول القوات تسويقه منذ لقاء معراب: إذاً، ليس للقوات الفضل الوحيد الأوحد بوصول عون إلى بعبدا كما تقول دعاية القوات، ها هو مسؤول "التواصل" يؤكد أنه لو لم يتفرد الحريري، لو نسق خطواته مع معراب، لما وصل عون إلى بعبدا". عدم تنسيق الحريري مع معراب كان السبب في وصول عون إلى بعبدا، لو حصل العكس لما وصل عون؛ شكراً شارل جبور.
المفاجأة الثانية تمثلت بمعاتبة القوات للمستقبل بعد كل هذه السنوات، على خلفية عدم وقوف المستقبل إلى جانب القوات في الملف الرئاسي حتى النهاية. ويقدم جبور في هذا السياق "ما فعله حزب الله مع عون" كنموذج رائع كان يفترض بالمستقبل أن يحتذي به. لكن مهلاً قليلاً؛ هل يمكنكم العودة في ذاكرتكم إلى تلك الأيام؛ هل تتذكرون ما كانت تسوقه القوات عن استخدام حزب الله لعون وعدم جدية دعمه له وغيره وغيره مما سعت جاهدة لتحشو العقل المسيحيّ به؟ من يكذب مرة، يكذب ألف مرة ومرة.
أما المفاجأة الثالثة فهي قول جبور أن القاعدة بالنسبة للقوات هي عدم وجود تحالفات سياسية، أما الاستثناء فهو التحالفات التي ترتبط بوجود مصالح مشتركة للفريقين مثل التعيينات أو غيره. وهو موقف يسمح بفهم كل ما تتخبط به القوات اللبنانية: بالنسبة لحزب الله وحركة أمل الأساس أو القاعدة هو التحالف فيما الاستثناء هو عدم التفاهم في أحد الملفات. بالنسبة لحزب الله والتيار والوطني الحر الأساس أو القاعدة هو التحالف السياسي فيما الاستثناء هو عدم التفاهم في أحد الملفات. وهي الروحية نفسها التي نجح الوزير جبران باسيل في الاتفاق عليها مع الرئيس الحريري: القاعدة هي التحالف والاستثناء هو الاختلاف على تعيين هنا وملف هناك. لكن القاعدة التي تنطلق منها القوات بحسب كلام مسؤول التواصل لديها هو عدم التفاهم، أما الاستثناء فهو التفاهم. صراحة، يا لطيف. عبارة جبور لا تكشف عن "نفسية" جعجع فقط إنما تظهر السبب الرئيسي لما تتخبط به القوات اليوم كفريق سياسي منبوذ يتعامل جميع الأفرقاء معه غصباً عنهم.
ودعكم هنا من علاقة القوات مع العونيين أو علاقة القوات مع المستقبل؛ ماذا عن التالي:
علاقة القوات مع حزب الكتائب!
علاقة القوات مع فارس سعيد!
علاقة القوات مع بطرس حرب!
علاقة القوات مع ميشال معوض!
علاقة القوات مع الأحزاب الأرمنية التي آثرت أن تزاحمهم في ملعبهم عبر تنظيم ولد ميتاً بدل أن تكتفي بالتنسيق معهم!
علاقة القوات مع بيار الضاهر!
علاقة القوات مع العائلات السريانية التي كانت خزان المقاتلين في تنظيم القوات المسلح وإذا بجمعياتهم تعاني الأمرين عند تولي القوات لوزارة الشؤون في ظل تفضيل القوات إنشاء تنظيمها السرياني الخاص الذي ولد ميتاً أيضاً بدل أن تكتفي بالتنسيق مع فعالياتهم.
علاقة القوات مع حزب الوطنيين الأحرار الذي عض على كل الجراج بما في ذلك جرح داني شمعون فيما استصعبت القوات أن تترك له موقعاً رمزياً في الشوف مثل رئاسة بلدية دير القمر، حتى يبدو وليد جنبلاط هنا أحرص من القوات على عدم إقفال بيت كميل شمعون.
حين يفشل فريق سياسي في الحفاظ على علاقة مستقرة واحدة مع عشر أفرقاء سياسيين، لا يمكن التفكير في تحميل أحد من هؤلاء الأفرقاء المسؤولية عن انهيار العلاقة أو تراجعها.
حين يقول أكثر من عشر أفرقاء سياسيين، كلٌّ على حدى: “جعجع غلط معنا"، لا يمكن تصديق جعجع حين يقول إنهم جميعهم يتآمرون وهم في المقابل من "غلطوا" معه.
عملياً، مرت أيام كان عديد النواب غير القواتيين الذين يشاركون في مناسبة حزبية قواتية كإحتفال إقرار النظام الداخلي لحزب القوات عام ٢٠١١ يتجاوز بثلاثة أضعاف عدد نواب القوات؛ حتى الجماعة الإسلامية كانت تعتبر نفسها في منزلها حين تكون في معراب، فيما لم يبقى لجعجع من هذا كله غير رئيس حركة التغيير إيلي محفوض. يغمر أحدهما الآخر ويشرعان في النحيب، محملين باسيل مسؤولية كآبتهما.
مع العلم أن ما سبق لا يشمل توطيد باسيل علاقته بالرهبانيات وتحويل الأفكار بشأن تثبيت الناس في أرضهم إلى عدة مشاريع مشتركة، مقارنة مع تراجع علاقة جعجع بهؤلاء إلى حد غير مسبوق.
ما سبق لا يشمل تخريب جعجع علاقته بعدد كبير من المتمولين الذين يكبر انتمائهم لمارونيتهم حين تكبر ثروتهم، سواء في لبنان أو في الانتشار، مقابل استيعاب باسيل لحماسة هؤلاء والعكس.
ما سبق، لا يشمل مروحة العلاقات المفتوحة عند غالبية الفرقاء السياسيين مع عدد كبير من الدول القريبة والبعيدة فيما يحشر جعجع نفسه عند مرجعية إقليمية واحدة.

كل ما سبق مهم لفهم الحالة التي أوصل جعجع القوات إليها لكن هذا كله لا علاقة له صراحة بالناس؛ هم الناس اليوم اقتصادي بامتياز، الناس يعلمون أن من استدان وفعل كل ما يلزم لإيصال البلد إلى ما هو عليه اليوم ليس ميشال عون… ولا جعجع طبعاً، لكنهم غير معنيين في تحميل أحد المسؤولية؛ ما يعنيهم فعلاً هو الخروج من هذه الأزمة، وهم يجدون أنفسهم في هذا السياق أمام فريق يركض من جبهة إلى أخرى بحثاً عما يمكن فعله لإنقاذ الوضع، وفريق آخر لا يكتفي بالتفرج أو الضحك إنما يطلق السهام بغزارة من الخلف على من يحاولون "الترقيع" هنا وهناك للحؤول دون تسرب المياه أكثر فأكثر وغرق المركب كله.
فريق يحاول تنفيذ الخطة تلو الأخرى لإيقاف الهدر الهائل في ملف كملف الكهرباء وفريق يضع الخشبة تلو الأخرى في دواليب الحلول لمنع التنفيذ، لاعتقاده أنه سيخسر شعبياً إذا ما نجح خصمه في تأمين الكهرباء. فريق يفعل كل ما بوسعه لدعم المزارعين عبر تأمين اتفاقيات جديدة لتصريف الانتاج الزراعي والمنتوجات الغذائية والعرق والنبيذ وفريق يقول للمزارعين والصناعيين والتجار: يا لهذه الأوضاع، تعالوا نبكي سوياً.
المواطن لا ينام الليل لخشيته على مدخراته من الخطر المحدق بالليرة، فيما جعجع يدعوه إلى الغناء "قوم بوس تيريز". هل من خفّة أكثر من هذه؟ هل من استهتار أكبر بمخاوف الناس؟ فريق يقول إن ثمة مشاكل كثيرة لكن لا بد من تظهير الإيجابيات للحؤول دون تهشيل السياح بشكل كامل لأن هذا يضر المواطن العادي في صور وصيدا وعاليه وبرمانا وجونية وجبيل والبترون وجميع القرى الجبلية الجميلة، وفريق يطبل ويزمر 24 على 24 للسلبيات فقط، مفترضاً أن هذا يضر بخصمه السياسي لا بالناس العاديين أولاً وأخيراً.
غريق ينكب على إعداد الأوراق الاقتصادية حتى إذا أقفلت أبواب الحل من جهة وجد مخرجاً يقود إلى حل محتمل آخر وفريق يقول بكل بلادة إن الحل للأزمة الاقتصادية هو استقالة هذه الحكومة وتعيين حكومة أخرى تضم خبراء اقتصاديين: كأن هناك بين الخبراء من يفوق ندى البستاني خبرة في ملفات وزارتها؟ إذا تعثر انعقاد الحكومة أسبوعاً يستنفر مصرف لبنان لضبط الارتدادات المالية الخطيرة، فكيف الحل مع تغيير حكوميّ في هذه اللحظة.
وبالتالي، هل يوجد مراهقة سياسية وولدنة اقتصادية أكثر من هذه، في هذه اللحظات الصعبة؟
هذا سمير جعجع؛
هل تعتقدون أن ثمة صاحب شركة واحدة في هذا البلد لا يقارن يومياً بين ما يحاول البعض فعله لإنقاذ شركته من التعثر، وما يفعله سمير جعجع في المقابل؟
هل تعتقدون أن ثمة موظف واحد في بلدية لا يقارن يومياً بين ما يحاول البعض فعله لتأمين عائدات البلدية، وما يفعله سمير جعجع؟
هل يوجد صناعي واحد مهما كان صغيراً أو كبيراً لا يقارن بين ما يفعله البعض لتأمين تصريف انتاجه، وما يفعله سمير جعجع؟
هل يوجد صاحب مشروع سياحي صغير سواء في جزين أو زحلة أو كسروان أو جبيل أو البترون أو حتى بشري لا يقارن بين ما يفعله البعض لوضع لبنان على خارطة السياحة الدينية في العالم وخارطة الرياضات الجبلية، وما يفعله سمير جعجع في المقابل؟
المواطن يميز الفرق بين من يذهب إلى الصين ليؤمن عشرة آلاف سائح ومن يستقبل السواح في المطار ليطلب منهم العودة من حيث جاؤوا. ويصدف في هذا السياق أن الناس في جبيل والبترون ترى طريق القديسين تشق طريقها، فيما الفاشلون يغنون "قوم بوس تيريز".
يصدف أن الناس في طريقهم إلى الشمال يشاهدون مشارفة الأعمال في سد المسيلحة على الانتهاء، فيقارنون في رؤوسهم بين لا مبالاة من يمثلهم وسعي باسيل لتأمين المياه لغالبية قرى الساحل البتروني على نحو ينعش الأراضي الزراعية لا المنازل فقط، إضافة إلى إحاطة القلعة التي كانت منسية بأكبر مشروع ممكن للسياحة البيئية والعائلات والرياضة.
يصدف أن الناس يقارنون بين ما تفعله بترونيات في دوما والبلدات المجاورة لها وما تفعله مهرجانات بشري لبشري والبلدات المجاورة لها.
يصدف أن الناس يشاهدون من ينشر السوداوية والإحباط والتيئيس وغيره وغيره ومن يواصلون العمل 24 على 24 في مرفأ جونية السياحي لتأمين ما يكفي من سواح لكل فنادق جبيل وكسروان.
كان يفترض بسمير جعجع أن يطور خلال السنوات العشر الماضية معرفته بالملفات؛ كان يفترض أن يجتمع ويلتقي ويستمع لكل المعنيين بالقطاعات الانتاجية والقطاعات الخدماتية والبنية التحتية. كان يفترض بسمير جعجع أن يسأل كم اجتماع واجتماع عقد ميشال عون لفهم مشكلة الصرف الصحي العالقة منذ الاستقلال، وكيفية إيجاد حلول لها تمكن المواطنين من استرجاع الأنهر في بلداتهم والشطآن والمساحات الزراعية لكن كل ما تسمعون عن مدارس قواتية وتثقيف وغيره وغيره هو أكاذيب بأكاذيب؛ فلا شيء من هذا كله؛ لا شيء في معراب غير الفراغ. فراغ يملأه جعجع: تارة بالأغاني وطوراً بالمواقف السياسية التي لا تقدم أو تؤخر بشيء.
البلد يمتلئ بالمشاكل والمواطن لا يحتاج إلى أي شيء آخر غير الحلول؛ تحميل فلان وعلتان المسؤولية عن المشكلة لا يحلها أبداً؛ ما الحل؟
ما هو الحل الذي يملكه جعجع لأزمة المديونية ومن حاصره أو منعه من إعلانه وتكوين رأي عام مؤيد له والتصويت عليه في مجلس الوزراء؟
ما هو الحل الذي يملكه جعجع للنفايات ومن حاصره أو منعه من إعلانه والتصويت عليه في مجلس الوزراء؟
ما هو الحل للخلل في الميزان التجاري؟ ما هو الحل للتهريب ومن حاصر معراب أو منع جعجع من إعلانه والتصويت عليه في مجلس الوزراء وتأمين آلية تنفيذه؟
ولنذهب بهذه اللعبة أبعد: فلتعلن كتلة القوات اللبنانية عن مشروع إنمائي جديّ واحد رفضه أو عرقله أحد وزراء لبنان القوي، رغبة منه في محاصرة القوات.
لا شك في هذا السياق أنكم تتذكرون ذلك التلميذ الكسول الذي لا يقوم بواجباته الذي كان يقول لأهله يوم توزيع العلامات إن معلمة اللغة الفرنسية أو البيولوجي لا تحبه ولذلك تضع له صفراً.
مقال شارل جبور اليوم يكشف أن جعجع ومن معه لا يواكبون العصر بالسرعة المطلوبة؛ ما زالوا عالقين عند خلافهم مع المستقبل بشأن الانتخابات الرئاسية، وهي صفحة كان يفترض أن تطوى منذ أربع سنوات. ما زالوا عالقين عند عقدة التيار الوطني الحر وهي صفحة كان يفترض أن تطوى منذ أكثر من ربع قرن.
لعل إخبار القوات ذلك يفيدها، ومع ذلك لا بدّ من أن يخبر جعجع أحدهم أن كل ما يحكيه عن محاصصة وحصار وتعيينات لا يهم الناس من قريب أو بعيد؛ الناس يستصعبون الضحك لنكاته حتى حين "تظبط" معه واحدة من ألف. الناس أنهكوا وتعبوا من هذا كله: يريدون حلول لمشاكلهم، وإذا كان هو لا يملك أية حلول كما هو واضح فما عليه بنظر هؤلاء سوى أن يصمت، إلى حين. لاحقاً، حين تمر الأيام الصعبة يمكنه أن يخرج إلى شرفة قصره ليواصل الغناء والتنكيت.

 

مقالات مشابهة

ضرائب جديدة

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض...

التحويلات إلى لبنان = التحويلات من لبنان

لا يكاد يؤتى على ذكر مداخيل الدولة اللبنانية حتى تذكر فوراً تحويلات المغتربين؛ أولئك الذين يجوبون الدول القريبة والبعيدة...

مهرجانات الأرز والشياطين وBaphomet وعبدو أبو كسم المقيم في نفوسنا

كتب الصحافي جوزف عيساوي أمس على صفحته الرائعة على فايسبوك سؤالاً عن عدم صنع "اليمين" أدباً وفناً يستحقان أن يصنفا كذلك ب...

5 نصائح قبل الحفلة النيابية

قبل ساعات قليلة من حفلة الزجل في المجلس النيابي لا بدّ من لفت نظر النواب، عشية انكبابهم على تحضير أوراقهم، إلى خمسة أمور...