ضرائب جديدة

غسان سعود

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض الأموال ويخشون على ليراتهم المودعة في المصارف لا يظهرون أي استعداد للقيام بما يلزم لحماية هذه الأموال. تحميل المسؤولون مسؤولية فشلهم بتغريدة هنا أو هناك لا يحمي الودائع ولا يؤمن فرص عمل أو بحبوحة وغيره وغيره؛ خصوصاً أن هذه التغريدات تتنقل بسرعة هائلة من موضوع إلى آخر. عملياً، يمكن المسؤول أن يكون غير مسؤول طالما لديه القدرة المالية على إكمال حياته في مكان آخر، لكن المواطن الذي لا يملك ترف الانتقال إلى حياة أخرى في مكان آخر لا يمكن أن يواصل التصرف بكل هذه اللامبالاة. ومن يفترض دائماً أنها مسؤولية المسؤول وحده لا علاقة للمواطن بهذا كله، لا يعلم شيء صراحة عن دور المواطن. ففي واقع الأمر، لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد، ولا يوجد فساد حيث لا يوجد مواطنين يسمحون باستمرارية الفساد، ولا يوجد سياسات اقتصادية خاطئة إلا حيث يوجد مواطنين يسكتون عن هذه السياسات وينشغلون عن الضغط لتغييرها بالتنكيت. من يسكتون ومن لا يبالون ومن يلعبون دور "الكركوز" على مواقع التواصل الاجتماعي ومن يوزعون الانتقادات دون هدف هنا وهناك إنما يؤمنون كل التغطية اللازمة من أجل أن يتواصل الفساد ويتمدد.

منذ عام 2011 بدأ التدهور الاقتصادي نتيجة 4 أسباب رئيسية كبيرة:
1. الأزمة الخليجية التي لم تؤثر على التحويلات فقط إنما أدت إلى تراجع هائل في أعمال الشركات اللبنانية الكبيرة التي تعمل في الخليج، وهي كانت تفوز بغالبية مشاريع البنية التحتية هناك، مؤمنة آلاف فرص العمل سنوياً.
2. الأزمة السورية التي أدت إلى إقفال الحدود البرية أمام تصدير المنتوجات اللبنانية إلى العدد الأكبر من الدول العربية، قبل أن تسبب ضغطاً على البنية التحتية اللبنانية ثم مزاحمة غير طبيعية لليد العاملة اللبنانية وصغار التجار.
3. الأزمة المالية اللبنانية، وهنا الأساس: كنا دائماً نستورد أكثر مما نصدر، كاد الوزير حسين الحاج حسن يظهر بمظهر المجنون لكثرة ما سأل كيف يمكن أن نستورد من الاتحاد الأوروبي بقيمة 8 مليارات يورو فيما نصدر بقيمة 300 مليون يورو. الشعب يحب المنتوجات الأجنبية، وفي ظل تراجع قدرة المصانع اللبنانية على المزاحمة من جهة وتقديم كل التسهيلات الازمة للمنتوجات المستوردة (أو المهربة) من جهة أخرى، توسع إقبال اللبنانيين على شراء البضائع الأجنبية. كل شيء، كل شيء. يمكن أن تشتري القميص أو السيارة أو معلبات الطعام من السوق أو "المول" بالليرة اللبنانية لكن التاجر يشتريها بالدولار. هذا الدولار الذي يخرج بدل استيراد، لا يدخل مكانه أي دولار آخر كبدل تصدير.
من هنا بدأ شح الدولارات، تزامناً مع انقطاع التحويلات العربية المصرفية الكبيرة إلى المصارف اللبنانية، وتراجع التحويلات المالية الكبيرة أيضاً بعد إدخال لبنان في منظومة مكافحة تبييض الأموال الأميركية، والمقاطعة الخليجية، وجمود سوق العقارات. كان ثمة ودائع كبيرة من هنا وهناك. كان ثمة حقائب مكدسة بالمال السياسي تغدق على المصارف بالدولارات. فجأة، توقف هذا كله. هنا، في كل دول العالم، تتدخل الحكومة لتفرض خفض الفوائد المصرفية من جهة وتقفل الحدود أمام الاستيراد من جهة أخرى، فيبادر أصحاب الأموال إلى الاستثمار في مشاريع إنتاجية تؤمن فرص عمل وتعيد التوازن للميزان التجاري. عندنا حصل العكس. تفاقم التهريب من جهة وهو ما يجعل المواد المستوردة أرخص بكثير، وعمد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى رفع الفوائد المصرفية، ما أدى إلى تفضيل كل من المستهلك والمستثمر عدم المس بأموالهم وتجميدهم أطول مدة ممكنة للاستفادة من فوائدهم. أمنت خطوة سلامة بعض ما كان يتطلع إليه من دولارات لكنها أدت إلى "كربجة" البلد بشكل كامل. بات المستثمر القلق يفضل الاحتفاظ بأمواله والاستمتاع بفائدتهم الكبيرة دون أية مخاطرة، فيما توقف التسليف الذي كان "يعيش" بفضله الكثير من اللبنانيين: قروض شخصية، وقروض تعليم وسفر وتجميل وسكن وسيارات وغيره وغيره.
في البندين الأول والثاني تأثير اللبنانيين محدود، فيما تأثيرهم في البند الثالث كبير؛ كل تفضيل لمنتج لبناني على منتج أجنبي – مهما كان صغير – يؤمن دعم كبير لليرة اللبنانية. حين كان رئيس الجمهورية يشيد بفرشته التي صنعت في بعلبك مقارنة بالفرش المستورد لم يكن يلقي مجرد خطاب؛ لا علاقة هنا لنوستالجي دعم الصناعة اللبنانية وغيره من الشعارات المملة: في السوبرماركت اليوم مياه مستوردة وبرغل مستورد وعدس وفاصوليا وجميع أنواع المعلبات والمواد الاستهلاكية، وهي بغالبيتها أرخص من تلك التي تصنع في لبنان، وحتى إذا كانت أغلى بقليل فإن اللبناني يفضلها على الصناعة المحلية. سيخرج من يقول إن هذا طبيعي، وهو طبيعي فعلاً لو كان اقتصاد البلد بحالة سليمة لكن المضي في هذا السلوك في حالة الأزمات يعني تسريع الانهيار الاقتصادي. ولا يعني الضرر هنا مواطن دون غيره إنما كل مواطن دون استثناء.
4. العجز في الموازنة الذي بلغ ذروته عام 2018 نتيجة السلسلة والصرف الانتخابي والفساد والهدر. الفساد والهدر يحصلان من خلال الموازنة؛ الموازنة التي تناقش في مجلس الوزراء ثم في لجنة المال والموازنة ثم في الهيئة العامة لمجلس النواب.
وعليه، من يعنيه الفساد والهدر لا يمكن أن لا تعنيه الموازنة بكل مراحلها. من يعنيه راتبه أو الضرائب أو مصير أمواله المودعة في المصرف لا بد أن تعنيه الموازنة وأن يبادر إلى إيجاد الوسائل المناسبة لتعديل توجهات من ينتخبهم بشأنها، ولا أحد يعتقد أن نائب منطقته في ظل النظام الانتخابي الحالي لا يمكن الضغط بسهولة فائقة عليه. اليوم؛ في ظل مواقع التواصل الاجتماعي والنظام الانتخابي الذي يعطي قيمة هائلة لكل مئة صوت في دائرة صغيرة، يمكن الضغط على هؤلاء ومحاصرتهم لردعهم في مكان وتشجيعهم في مكان آخر؛ لكن هذا كله يتطلب انتقال شعبي من التعاطي السطحي مع الأزمة إلى فهم عميق لمكامن الخلل الأساسية ومواكبة جدية لما يحصل في مجلسي النواب والوزراء.

فالعجز في الموازنة له ثلاثة أسباب كبيرة:
1. المعاشات التي بات مسلماً عدم المس بها.
2. خدمة الدين التي لم توضع مقررات موازنة 2019 موضع التنفيذ بشأنها بعد.
3. الكهرباء حيث يحصل اللبنانيون على الكهرباء بسعر مدعوم من الدولة، وتقول الأكثرية إن إيقاف الدعم غير مستحب قبل تأمين الكهرباء 24 على 24 لكن ضرورات خفض العجز قد تلزم مجلس النواب أن يرفع سعر التعرفة للمستهلكين الذين يتجاوزون نسبة محددة مرتفعة أو يضع مجلس النواب سقفاً مالياً للدعم بحيث تتوقف الحكومة عن تأمين الكهرباء للمواطنين بعد تجاوزه وتترك المهمة للمولدات. والأكيد هنا أن ترشيد إنفاق الكهرباء من قبل المواطنين والتعامل مع "عداد الدولة" كما يتم التعامل مع "عداد المولد" أمر مساعد ومفيد. مع العلم أن جداول وزيرة الطاقة ندى البستاني تبين تقدم كبير في نسبة الجباية ونزع التعديات في جميع المناطق على نحو مشجع جداً.

ومن مسببات العجز الثلاثة الكبيرة إلى المصاريف المتوسطة: يمكن خفض إنفاق الصناديق أكثر فأكثر في موازنة 2020، وخفض ميزانية الجمعيات قليلاً أيضاً، وإلزام الوزارات بتقليص الإنفاق أكثر فأكثر أيضاً؛ لكن هذه جميعها ليس لها قيمة كبيرة. الجمهور يتفاعل مع الأرقام المتداولة لأجور بعض الموظفين والنواب والوزراء بكثير من الحماسة لكن المجموع السنوي لهذا كله لا يوازي عقد إيجار أو صيانة واحد في إحدى شركتي الهاتف الخلويّ. وإلزام أصحاب المخالفات البحرية بتسوية أوضاعهم واجب وضروري طبعاً لكن عائداته السنوية لا توازي عائدات إيقاف التهريب ليوم واحد؛ لذلك القول إن هناك أشياء كثيرة مطلوبة، لكن يجب تحديد المهم والأهم. عملياً، موازنة 2019 حققت الكثير على مستوى خفض الإنفاق، ويمكن حصر النفقات أكثر قليلاً بعد لكن الأساس في موازنة 2020 يفترض أن يكون زيادة المداخيل؛ وهنا يوجد أربع ميادين رئيسية:
1. زيادة الضريبة على القيمة المضافة، وهو ما تعارضه الثنائية الشيعية بقوة دون أن يتحدد موقف سائر الأفرقاء بشأنه.
2. زيادة الضريبة على المحروقات، وهو ما تعارضه الثنائية الشيعية بقوة دون أن يتحدد موقف سائر الأفرقاء بشأنه.
3. وضع حد للإنفاق العشوائي والهدر المالي الاستثنائي في وزارة الاتصالات سواء من عائدات أوجيرو أو شركتي الهاتف الخلوي. بند يؤيده حزب الله بشدة ويخوض معركة جدية وحازمة بشأنه مع "بعض" العونيين لا جميعهم في لجنة الاتصالات.
4. إيقاف فوري للتهريب، خصوصاً عبر المعابر الشرعية. وهو ما يستلزم خطوات ميدانية ومعدات وقرارات إجرائية سريعة جداً يتأخر المعنيون في تنفيذها.
5. مواجهة جدية مع التهرب الضريبي وهي تستلزم أيضاً وأيضاً خطوات ميدانية ومعدات وقرارات إجرائية يتأخر المعنيون في تنفيذها.

حصر الانفاق أكثر ووضع بندان من البنود الخمسة السابق ذكرها موضع تنفيذ يمكن أن يخفض العجز أكثر. وهذا مهم، إلا أن الأهم هو انطلاق حملة شعبية للحد من استهلاك كل ما هو مستورد على حساب الصناعة والزراعة المحليين، بموازاة الترجمة الفورية لكل الوعود المتداولة بشأن الصناعة والزراعة والسياحة.
قلة من السياسيين كانت تعير اهتماماً لكل ما سبق؛ كانوا ينشغلون بما هو أهم دائماً لكن حجم الضغط المعيشي – الاقتصادي – المالي دفعهم إلى تبديل أولوياتها. وعليه، اليوم ثمة تركيز سياسيّ مطلق ومن غالبية الكتل، خصوصاً المستقبل وحزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل، على وجوب "لملمة" الوضع. لكن المطلوب مواكبة شعبية كبيرة لهذا كله لاختيار الأفضل بين الخيارات المطروحة لا الأسوأ، وتزكية خيار ضد خيار آخر. هذا ليس وقت الجلوس في المنزل والقول إنه "بطيخ يكسر بعضه"؛ بالعكس تماماً: قد لا تكون جميع المعارك الأخرى التي تلهى اللبنانيون بها معاركهم فعلاً، أما هذه – معركة الخروج من النفق الاقتصادي – المالي المظلم – فإنها دون شك معركتهم هم. الحقوق لا تعطى؛ الحقوق تنتزع. السياسات الاقتصادية والمالية التي نحلم بها لا تعطى، تنتزع، ويجب أن نتحضر لانتزاعها.

 

مقالات مشابهة

ضرائب جديدة

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض...

التحويلات إلى لبنان = التحويلات من لبنان

لا يكاد يؤتى على ذكر مداخيل الدولة اللبنانية حتى تذكر فوراً تحويلات المغتربين؛ أولئك الذين يجوبون الدول القريبة والبعيدة...

مهرجانات الأرز والشياطين وBaphomet وعبدو أبو كسم المقيم في نفوسنا

كتب الصحافي جوزف عيساوي أمس على صفحته الرائعة على فايسبوك سؤالاً عن عدم صنع "اليمين" أدباً وفناً يستحقان أن يصنفا كذلك ب...

5 نصائح قبل الحفلة النيابية

قبل ساعات قليلة من حفلة الزجل في المجلس النيابي لا بدّ من لفت نظر النواب، عشية انكبابهم على تحضير أوراقهم، إلى خمسة أمور...