مهرجانات الأرز والشياطين وBaphomet وعبدو أبو كسم المقيم في نفوسنا

غسان سعود

كتب الصحافي جوزف عيساوي أمس على صفحته الرائعة على فايسبوك سؤالاً عن عدم صنع "اليمين" أدباً وفناً يستحقان أن يصنفا كذلك بدل أن يكونا على شاكلة تلك السهرة المقيتة في مهرجانات الأرز. سأل عيساوي لماذا لا يُنتج اليمين ثقافةً بالمعنى الإبداعيّ المحرِّك، التجديديّ للقيم ولغات التعبير؟
أسئلة تُحرك الرأس وتفيده، حالها من حال السؤال المشروع عن ما كان يفترض بالبطريرك القيام به: هل كان يجب أن يقف ويغادر احتجاجاً على المستوى الهابط أو يبقى يتبسم لحين انتهاء الكابوس أم ماذا؟ أيضاً هنا يمكن الخوض في نقاش هادئ وجميل.
في بلد طبيعي يمكن لما شهدته الليلة الشهيرة من مهرجانات الأرز مناسبة لفتح نقاش جديّ في البلد بشأن أسباب التمسك بهذه المهرجانات بعدما ثبت أنها مشروع سياحيّ فاشل لا يؤمن تنمية سياحية مستدامة. أولوية البلديات يجب أن تكون للمهرجانات أو لمعمامل فرز النفايات؟ مهرجانات أو تأهيل مساحات عامة؟ مهرجانات أو مصنع للمواد الغذائية يؤمن لكل أسرة مدخول صغير؟ هذا كله جميل ومفيد لكن هناك من يستسهل القفز فوق هذه جميعها ليقطع طريق النقاش وتكفير الآخر وشيطنته بكل بساطة. عملياً في عدد كبير من اللبنانيين ثمة عبدو أبو كسم صغير يقيم في النفوس؛ عبدو أبو كسم صغير يشبه الأب عبدو أبو كسم الكبير الذي يوزع الشهادات: مسموح – ممنوع، مؤمن – كافر. كثيرون يتجاوزون الحق بإبداء وجهة نظرهم إلى تكفير غيرهم وشيطنته؛ هكذا بكل بساطة؛ يعتقدون أنهم ينتصرون لكنهم في واقع الأمر يقفلون شبابيك النقاش الذي يوصل دائماً إلى حلول مفيدة للجميع. القوات اللبنانية لها باع طويل في تكفير الخصوم وشيطنتهم والوصول حتى اتهامهم بأنهم عبدة شياطين وغيره غيره لمجرد أنهم يختلفون معها في الرأي، لكن القوات نفسها وقعت أمس ضحية هذا النوع من التكفير والشيطنة حين قفز البعض فوق إبداء رأيه بمهرجانات الأرز لشيطنة المهرجانات نتيجة وجود ما يشتبه بأنه رسم شيطاني في قمة المسرح. التدقيق في الصور لا يسمح بالجزم صراحة أن ثمة رسم، ومع ذلك حتى ولو كان ثمة رسم يعود لـ Baphomet يجب القول أو الشرح إن لا علاقة لـ Baphomet من قريب أو بعيد بالشيطان أو الشياطين. المعزاة أو الجدي المقاتل رسم اعتمده فرسان صليبيين منذ قرون بعيدة للقول إن الخاروف الذي يرمز إلى المسيح يمكن أن يكون خاروفاً مقاتلاً لا مسالماً طيلة الوقت. وهو تحول إلى ما يشبه الأسطورة في أالقرن الثالث عشر لتأكيد فرسان الهيكل بأنه كان يظهر في المعارك ويقودهم إلى الانتصارات، ما دفع الكنيسة الكاثوليكية إلى المطالبة بإيقاف فوري ييتداول بالرسم بعد قمع فرسان الهيكل. علماً أن الصور المتداولة اليوم لـ Baphomet تظهره محاطاً بعناصر الحياة من جهة ورمز الخير والشر والتوازن بين الأضداد من جهة أخرى، دون أن يكون لهذا كله أية علاقة سواء بالشياطين أو بالمعتقدات الدينية أو غيره وغيره، لكن من كانوا يتهمون كل شاب يطول شعره وكل صبية تثقب أنفها بأنهم عبدة شياطين يستسهلون القول عن كل ما لا يعرفون عنه شيء إنه شيطاني.
حتى لو كانت الخيالات في أعلى ستارة المسرح وجه Baphomet ، Baphomet ليس الشيطان ولا علاقة له بالشياطين. وحتى لو كان ثمة صلة بين Baphomet ومن يوصفون بعبدة الشياطين، لا شك أن القوات اللبنانية من جهة ومهرجانات الأرز من جهة أخرى لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بوضعه في أعلى المسرح الذي أخذ شكل "دلتا" هذا العام. والأهم الأهم، لا شك أن بطريرك المارونة لم يكن يحمل "ناضوراً" أو تلسكوباً ليدقق بكل زوايا المسرح قبل أن يجلس على كرسيه. الاختلاف في الآراء شيء والتكفير والشيطنة شيء آخر. ما ظهر على المسرح كان هابط جداً وسخيف وأقل مما يُتوقع بكثير في مدينة جبران خليل جبران، كان هناك أكثر من مسرحي فاشل يتخبطون بسخافتهم على المسرح لكن لم يكن يوجد شياطين ولا عبدة شيطان ولا شيء من هذا كله.

 

مقالات مشابهة

مهرجانات الأرز والشياطين وBaphomet وعبدو أبو كسم المقيم في نفوسنا

كتب الصحافي جوزف عيساوي أمس على صفحته الرائعة على فايسبوك سؤالاً عن عدم صنع "اليمين" أدباً وفناً يستحقان أن يصنفا كذلك ب...

5 نصائح قبل الحفلة النيابية

قبل ساعات قليلة من حفلة الزجل في المجلس النيابي لا بدّ من لفت نظر النواب، عشية انكبابهم على تحضير أوراقهم، إلى خمسة أمور...

الإشاعات: مسؤولية القضاء

تعالوا نستعمل أصابعنا: 1. جبران باسيل اشترى طائرة خاصة. 2. سيزار أبو خليل اشترى يخت الأميرة موزة. 3. رئيس الجمهورية ا...

بداية سحب بساط بشري من تحت معراب: القوات تمزق صور وزير خارجية لبنان

السياسة اقتصاد؛ صناعة وسياحة وزراعة وبحث دائم عن فرص عمل. والسياسة علاقات خارجية. والسياسة إنماء متواصل وسعي حثيث لإيجاد...