شامل روكز

غسان سعود

قبل الدخول في أي تقييم، لا بد من تحديد نقطتين:
١. كيف كانت نظرة المتفائلين بالنائب شامل روكز له، قبيل تقاعده من الجيش.
٢. ماذا كنا نتوقع منه في الوطن والسياسة والحزب.
تتداخل النقطتان طبعا؛ عميد البطولات الحربية كان يوحي بأنه أولاً رجل استرتيجيا وتخطيط يعرف أين يتموضع ومتى يهاجم أو ينكفئ وكيف يباغت خصومه.
العميد أوحى دائماً، ثانياً، بعدم الاكتراث من قريب أو بعيد بصالونات المنظومة السياسية بكل ما تتضمنه من غدوات وعشوات واحتفالات عرمرمية يومية بأعياد ميلاد الـ"بابازيات". الرجل الذي يمضي أيام إجازته بثكنته غالباً ولا يخلع البذلة المرقطة حتى حين ينام ويقود سيارته بنفسه غالباً ويتوقف لتحية المعتصمين الغاضبين في أوج الحملة التكفيرية ضدهم ويمول حملته من تبرعات شفافة كان يوحي ثالثاً بأنه ذلك المقاتل الذي يفعل أكثر بكثير مما يتكلم.
هدوء العميد وابتسامته واكتفائه ببضعة كلمات كانوا يوحون دائماً بالعمق والمعرفة والثقة المفعمة بالنفس. وعليه،
1. على الورقة والقلم لم ينتسب إلى حزب التيار الوطني الحر أكثر من 10 بالمئة من الحالة العونية التي كان يفترض بأن روكز سيركز على استقطابها بما تيسر له من كاريزما، يضاف إليها بعض المواقف البطولية الشعبوية.
2. بحكم سيرته الحسنة من جهة والقدرات القيادية من جهة أخرى، كان يفترض بالعميد أن ينجح في تأمين مظلة معنوية لأكبر عدد من المجموعات الشبابية التي حال تشتتها دون إثبات حضورها كما يجب في أكثر من استحقاق.
3. متكلاً على الخطاب الألفترياديسي الشجاع والذكي كان يفترض بالعميد أن يحاكي في أدائه اليوميّ على الأرض احتياجات الشباب الاقتصادية وهموم الطبقة الوسطة وتراكم المطالب الخدماتية والبيئية.
4. كان يفترض من يحبون العميد أنه لن ينتظر قرار وزير أو مؤازرة أمنية للوقوف في وجه الاعتداءات على الملك العام من بحور المنتجعات إلى مرامل الجبال، مروراً بالتصدي السريع لتحويل جانبي الأوتوستراد وجميع الطرقات العامة في كسروان إلى دكانة بشعة. كان نفترض أن يبادر العميد إلى إلزام صديقه رئيس اتحاد بلديات كسروان جوان حبيش بتبني معمل غوسطا لفرز النفايات ودعمه وتكبيره فيما هو يخوض بالتكافل والتضامن معركة تحرير البلديات من الخوة الحريرية التي تنهب عائدات البلديات من الصندوق البلدي المستقل لمصلحة جهاد العرب وأصحابه. كان نفترض أن يستفيد من خبرته في الملف العسكري ليضع على الطاولة ملفاً يوائم بين احتياجات المؤسسة العسكرية وحقوق العسكريين من جهة وهواجس الطبقة الوسطى وتنامي مخاوفها وشعورها بالغبن الدائم.
الافتراضات كانت كثيرة؛ جميعها تنطلق من الإيمان بإيجابية هذا الرجل إلا أن الأداء في النقاط الأربع السابقة خالف التوقعات:
الافتراضات في النقطة الرابعة سقطت جميعها، أما الخطاب في النقطة الثالثة فهجر ثورجية ألفتريادس وذكاء هشام حداد ليلتحف بعبارات تقليدية مملة؛ استبدل العميد من "يشرقطون" ذكاء بمن "يشرقطون" غباء، وبات كمن باغته التعب يفضل الصالونات على المغامرات. ولم يبذل فيما يخص النقطة الثانية أي جهد للتنسيق مع المجموعات الشبابية الغاضبة لتوسيع مساحة حركته وتقديم خطاب سياسي جديد يحاكي بتفاصيله الرغبة الشعبية بسماع خطاب جديد. أما "الفشل" الأكبر أو إنهاء نفسه بنفسه فيتمحور في النقطة الأولى:
لا مجال للاعتقاد أن النائب شامل روكز كان سيخترع زعامة خاصة به، فعملياً ثمة زعامة كبيرة إسمها زعامة العماد عون لا يتجاوز حجم التيار الوطني الحر نسبة عشرة بالمئة منها. وفي ظل انشغال رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بالتيار من جهة وبمتاعب السلطة من جهة أخرى كان يمكن القول إن ملعب الحالة العونية كان مفتوحاً أمام العميد ليصول ويجول به وحده كما يشاء، لكن هل يشعر أحد باستثناء العشرين شخصاً المحيطين بالعميد أن ثمة زعامة ناشئة في هذه الحالة العونية خاصة بروكز؟ لا طبعاً. زعامة روكز كانت لتكون أكبر من زعامة زعيم التيار فيما لو التفت إلى الحالة العونية وحاول محاكاتها، لكن هل أقدم روكز منذ التقاعد على طرق أبواب هذه الحالة؟ لا أبداً؛ لا بل أكثر من ذلك، لم يكتف العميد بعدم الاستفادة من رمزيته واستخدام لغة العماد عون لمحاكاة هؤلاء إنما عمد إلى إقفال الأبواب والشبابيك التي يمكن أن توصله إليهم. فإذا كان المتحزبين مضطرون إلى التكيف مع خيارات رئيس الحزب بمصالحة فلان ومخاصمة علتان فإن الحالة العونية عموماً هي حالة ثائرة على البيوتات السياسية ولا تحب من قريب أو بعيد سواء نبيه بري أو وليد جنبلاط أو سعد الحريري أو سمير جعجع أو سليمان فرنجية أو غيره وغيره من هؤلاء السياسيين. لكن هل عزف روكز يوماً على الأوتار الحساسة لهذه الحالة؟ لا أبداً. لا بل هو حرص على إفهامها أنه صديق هؤلاء وحتى حين تختلف وجهات نظرهم مع وجهة نظر الرئيس ميشال عون فإنه يكون أقرب إليهم منه إلى عون.
يقرأ روكز موقف عون من حادثة قبرشمون ثم يقرأ موقف فرنجية ثم يصدر موقفاً أقرب إلى موقف فرنجية منه إلى موقف عون. ولعل روكز محق هنا في موقفه؛ هل يفيده وسط الحالة العونية أن يقول إنه أقرب إلى سليمان فرنجية ووليد جنبلاط ونبيه بري منه إلى عون؟ لا طبعاً، إلا أن ذلك يتكرر على نحو يؤكد أنه لا يتخذ مواقفه بناء على استراتيجية ما إنما بناء على ردات الفعل. عند "الحالة" ما يزال العماد عون "متمرد على المنظومة": يفهم عليها لكنه لا يتفهمها، يجالسها لكن لا يشاركها، يتقاطع معها لكن لا يذوب فيها؛ العميد لم يجد خلال عامين تفصيلاً بسيطاً يختلف مع جنبلاط أو بري أو جعجع أو الحريري أو فرنجية عليه. يجد المآخذ على وزراء التيار الوطني الحر هنا وهناك لكن لا يجد مأخذ ولو واحد على وزراء فرنجية وجنبلاط والحريري وبري وجعجع مجتمعين. يستفزه أداء وزارة الطاقة لكن لا يستفزه أي تفصيل في أداء وزير الشؤون أن الأشغال العامة أو المال أو الداخلية أو التنمية الإدارية.
والخلاصة؟ ماذا يريد العميد؟ يريد شق طريقه من دون التيار الوطني الحر؟ يمكن. من دون التيار الوطني الحر وخطاب ثورجي تقدمي يحمل حلولاً سريعة لا شعارات انتخابية فقط؟ يمكن، ربما. من دون التيار الوطني الحر والأداء الثورجي والمجتمع المدني؟ ربما. لكن من دون الحالة العونية والتيار والأداء الثورجي والمجموعات المدنية يستحيل التقدم خطوة. ما يحتاجه العميد هو إبعاد بعض الأغبياء المحيطين به عنه لبضعة أيام، والجلوس بينه وبين نفسه ليكتب على الورقة أمامه ما يريده هو فعلاً والوسائل المحتملة لتحقيق مراده؛ البلد لا ينقصه نائب غير معلن بالزائد في كتلة المردة أو بري أو جنبلاط، البلد يحتاج إلى شامل روكز.

Refresh

 

مقالات مشابهة

أبو صعب النائب الفعلي لرئيس الحكومة

يؤكد المتابعون لعمل وزير الدفاع الياس أبو صعب أنه يلعب فعلياً الدور الأرثوذكسي الخاص بنائب رئيس الحكومة، في ظل لا مبالاة...

السجن ثلاث سنوات للمحتال سالم عكاري

علم موقع Refresh.com.lb أن قاضي التحقيق في جبل لبنان, القاضية الشجاعة رانيا يحفوف أصدرت قرارا ظنيا اليوم بحق السمسار الع...

عن سعادة محافظ الشمال.. لقمان الكردي

محافظ الشمال رمزي نهرا؟ لا أبداً؛ نهرا محافظ في الشكل فقط أما في المضمون فالمحافظ الفعلي هو لقمان الكردي. كل من يترددو...