الإشاعات: مسؤولية القضاء

غسان سعود

تعالوا نستعمل أصابعنا:
1. جبران باسيل اشترى طائرة خاصة.
2. سيزار أبو خليل اشترى يخت الأميرة موزة.
3. رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عطل سفر مجموعة من اللبنانيين ليسافر هو بطائرتهم.
4. جبران باسيل كان يستلم حقائب المال الإيرانية بنفسه من المطار.
5. جبران باسيل اشترى مجموعة سيارات مرسيدس مايباخ.
6. الرئيس ميشال عون تصدر قائمة أثرى أثرياء لبنان التي تصدر عن فوربس.
7. الموازنة تضمنت بنداً خاصاً بتصميم وتشييد مجموعة تماثيل لرئيس الجمهورية.
8. جبران باسيل اشترى شركة كورال بكل محطات البنزين التابعة لها.
9. جبران باسيل شريك لأصحاب أو وكلاء البواخر الذي قرر مجلس الوزراء بالاجماع الاستعانة بهم لأنهم أقل تكلفة من كل موارد الطاقة الأخرى.
10. جبران باسيل حرض على السنية السياسية وتوعد الرئيس سعد الحريري خلال ندوة حوارية في البقاع الأوسط.
11. جبران باسيل اشترى منزلاً أو فيلا في لندن.
12. جبران باسيل "دبكها" مع قائد الجيش بعد اكتشاف القائد بعد أكثر من عامين على تعيينه في منصبه أن باسيل كان يعارض تعيينه.
13. جبران باسيل أرسل أمن الدولة لاعتقال بعض السفراء في وزارته وإذلالهم وتعذيبهم.
14. جبران باسيل ذهب إلى لندن ليحضر مباراة في كرة القدم على حساب الخزينة اللبنانية.
15. الرئيس ميشال عون تعرض لوعكة صحية ونقل بحالة حرجة إلى المستشفى.
16. جبران باسيل قبض من فلان عشرة ملايين دولار لتبني ترشيحه إلى الانتخابات النيابية ومن علتان 20 مليون لتوزيره.
وتطول القائمة؛ أكثر مما تتخيلون بكثير. إشاعات لا أكاذيب؛ الإشاعات أكثر خطورة من الأكاذيب وضررها أكبر بكثير. تصميم الإشاعة ينطلق من تأمين كل ما يلزم لانتشار الكذبة بأسرع طريقة ممكنة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص.
لا حاجة هنا لأسماء كبيرة أو معروفة تسبقها ارتباطاتها فتحترق الإشاعة؛ كلما كان المصدر مجهول ومغمور وغير معروف كان ذلك أفضل بكثير.
ولا حاجة لتزوير مستند أو التلاعب بتسجيل صوتي أو فبركة صور كما كان يحصل سابقاً فيدحض المستند الأصلي أو التسجيل الصوتي الأساسي أو الصورة الحقيقية الإشاعة؛ لا أبداً، كل المطلوب سطرين يشقان طريقهما إلى العالم الافتراضي من مكان مجهول مع حرص متمادي على عدم تبنيهم من قبل فريق معين أو جيشه الإلكترونيّ.
القوة الرئيسية للإشاعة تكمن في عدم تحديد مصدر معروف لها حتى لا توضع بسرعة في خانة الاتهامات السياسية المتبادلة.
والواضح في هذا السياق من عدد الإشاعات أن هناك أكثر من مجرد مطبخ مغمور متخصص بالطبخ والتوزيع إنما ثمة ما هو أكبر من ذلك بكثير: من يطبخ لا يستهدف من يفكرون ويحللون ويكبدون أنفسهم عناء التدقيق في الخبر إنما الهدف الرئيسي الأول، هم أصحاب العقول الفارغة التي يمكن أن تملأها بأي شيء. الهدف الثاني هم أولئك المستعدين لقول أي شيء في سبيل "نكوزة" خصومهم حتى لو كانوا يعلمون أنها معلومة خاطئة مئة بالمئة. الهدف الثالث هم من يبحثون عن خبر طازج يومياً للتسلية لا أكثر.
أمام كل إشاعة هناك من يتعامل بلامبالاة دون أن يصدقها أو يتأثر بها، وهناك من يبادر إلى تقديم كل ما يلزم من دفوع لدحضها، وهناك من يدقق بها أكثر، وهناك قلة قليلة تخزنها في عقلها وتواصل حياتها دون أن تلتفت للردود أو التوضيحات أو حتى اعتذار مصدر الخبر الأساسي. وهؤلاء، المجموعة الأخيرة، هم من يستهدفهم من ينشر الإشاعة. من ينشر الإشاعات إنما يكذب ويكذب متأملاً أن يعلق شيئاً في النهاية، وهو مع كل كذبة يربح من يزدادون قرفاً من الجميع، بمن فيهم عون وباسيل. فهؤلاء من سبق وصفهم بالقلة القليلة إنما يجمعون حين تتراكم الإشاعات؛ واحد فوق واحد حتى يصبح عددهم كثير وكثير جداً.
والمشكلة مع غير المسيسين أنهم يلتقطون عنواناً ظهر أمامهم فيحفظونه دون تكبيد أنفسهم عناء الدخول وقراءة المقال أقله، ثم يصبح الوصول إليهم لتصحيح معلومتهم صعب جداً.
لكن ما الحل؟ القضاء عموماً وقضاة العجلة خصوصاً وجميع الأجهزة الأمنية المرتبطين بهم لا يقومون بعملهم بالسرعة المطلوبة؛ لا بد من مواكبة التطور الافتراضي بتطور قضائي يسمح بإقفال الحسابات التي تنشر الأكاذيب بهدف تشويه السمعة بأكبر سرعة ممكنة، لا بدّ أن يجد القانون الوسائل ليكون أسرع من هؤلاء، فلا حل عمليّ آخر. لا يمكن الانتظار أياماً وأسابيع وشهور ليصدر القرار القضائي بشأن هذه التسريبة أو تلك، خصوصاً أن الرد أو النفي لا يحظى أبداً بالاهتمام الشعبي الذي تحظى به الإشاعة. بموازاة ذلك لا بد من بناء وعي جماعي أو نضوج افتراضي، فمن يتمتع بحد أدنى من الوعي لا يمكن أن يصدق ما يصله من هنا وهناك دون السؤال عن مصدر الخبر والوثائق أو المستندات التي تدعمه. ولا شك في هذا السياق أن البلد يمتلئ بالفضائح الموثقة بالمستندات. وفي هذا السياق كتبت المحامية باسكال فهد قبل يومين على صفحتها على فابسبوك: "ما في مشكلة تسمع إشاعة، المشكلة انك تصدّقها، والمشكلة الأكبر كيف بصير شوفك بعد ما تصدّقها". فحجم انتشار الإشاعات في المجتمع عادة يوازي حجم الجهل في هذا المجتمع؛ تكون الإشاعة حيث يكون الجهل. حيث العلم والمعرفة والثقافة وحتى النباهة والذكاء وسرعة البديهة لا يمكن للإشاعة أن تعبر، إذ لا بد أن يستوقفها أحد هؤلاء ليسألها عن مستنداتها ويدعوها بكل لطف إلى أن ترجع من حيث أتت.

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

باسيل وزيراً للخارجية والكرامة و… الاقتصاد في نيويورك

خلال زيارة وزير خارجية لبنان للولايات المتحدة توقف الرأي العام عند موقفين بارزين: الأول أثار إعجاب العونيين بشكل رئيسي...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...