إلى صور إلى صور

Lebanese Traveler

يكاد يستحيل على الصحافي في بلدنا أن يضبط وزنه؛ المصادر، ولا سيما السياسيين والقضاة والضباط لا يستسيغون الكلام إلا وهم يمضغون التبولة ويكسرون أفخاذ الضفاضع بين أسنانهم. وهكذا يفترض بالصحافيّ أن يعتاد البحث عن المعلومة بين صحون الحمص والكبة النية والباذنجان، ويناول زيت الزيتون هنا ليتناول معلومة من هناك. ومع الوقت يتحول نمط العيش الصحافيّ هذا إلى جحيم ممل فتصبح الدعوات إلى إفطار هنا وسحور هناك أشبه بتبلغ عقوبة اليوم، لا شيء آخر.
وسط هذا كله، ترد دعوى من أصدقاء انتظموا منذ بضعة أشهر تحت مظلة أسموها "لبنان إلى صور".ناشطون سياسيون وأطباء ومحامون وناشطون افتراضيين وخبراء تسويق وسياحة وأثار ومهن حرة وصحافيون قرروا أن يضعوا جزء من اندفاعهم وحماستهم بتصرف مدينتهم بدل وضعها بتصرف حزب أو حراك أو أهداف شخصية.
وهكذا انطلقوا يقولون إن بحر صور الذي زاره نصف مليون شخص العام الماضي يجب أن يصل إلى عدد أكبر من الناس لحثهم على زيارته، لكن البحر بكل نظافته وروعة شاطئه الرمليّ لا يختصر صور؛ فصور هي المجتمع وهي الكنائس الأثرية القديمة والحارات والجوامع الأثرية القديمة والأهم من هذا كله: صور الأثار؛ المدن الأثرية التي يحج الزوار من مختلف اصقاع العالم إلى ما هو أقل قيمة تاريخية منها في بعض المدن اليونانية والإيطالية البعيدة.
انطلق هؤلاء من مبدأ تنويع السياحة عبر تنويع الوجهات بدل أن يبقى الموسم السياحي مربوط بفصل معين أولاً وبدائرة ضيقة من المستفيدين ثانياً.
قوتهم تكمن صراحة في تجاوزهم العمل التقليدي الممل الذي تعلكه الجمعيات فيما تنصرف غالبية الأحزاب للعمل الزبائني المقرف والعشوات الدورية المتخمة بالخطابات الفارغة.
"لبنان إلى صور" مبادرة تفتقد للإسناد المالي تدفعك إلى التفكير أكثر من مرة خلال الإفطار في كيفية تأمين هؤلاء الشباب لكلفة العشاء الكبير، دون أن تجرؤ على سؤالهم لعدم إحراجهم. البلدية متعاونة يقولون. تنتبه خلال الجولة إلى استخدامهم مكبر الصوت الخاص بأحد نوادي المدينة؛ هذا كله جميله ويذكر بالنضالات التي تجاوزتها الأحزاب الثرية الجديدة. وزارة الثقافة متعاونة أيضاً. أصحاب المحلات التجارية والمطاعم بدؤوا يلاحظون حركتهم ويفهمون عليهم أكثر فأكثر ولا شك أن تجاوبهم معهم سيكبر مع الوقت.
سبق "لبنان إلى صور" عدة تجارب مشجعة في عدة بلدات أظهرت أن ما يوصف بالمجتمع المدني قادر على أن يكون مجتمعاً مدنياً بالفعل فيتصالح مع الدائرة الأوسع وينسجم مع بيئته فيفهم عليهم ويفهمون عليه ليتمكن من لعب دور الرافعة على أكثر من صعيد.
بعض الناشطين في "لبنان إلى صور" كان لهم موقف سياسي انتخابي في الانتخابات الأخيرة، بعضهم كان ينشغل بتنظيف شاطئ البحر عن كل شيء آخر، بعضهم لم يكن يعنيه سابقاً غير العمل الفني أو دراسته أو وظيفته أو تأمين مساحة نظيفة لأطفاله في الحديقة العامة؛ اليوم يجلس هؤلاء على طاولة واحدة للتفكير كيف يمكنهم أن يلعبوا دوراً إيجابياً في مجتمعهم.
لبنان إلى صور؛ صور الشاطئ صور الحارات وصور السوق وصور الصيادين.

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...

ضرائب جديدة

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض...