وداع أبعد من الاستغلال الرخيص للموت المقدس

Nadim Labaki

ربّما ليس مهمًّا إن أصاب المرء بأعماله، أو خابت حظوظه ومقاصده، بقدر أهمّية رسوخ القناعة في فكره وقلبه وقت العمل. ربّما "البطرك صفير" هو من هذه الفئة من الناس، الذين يلتزمون بقناعاتهم حتّى وإن بانت على البعض أنّها ردّة فعلٍ أو تصفية حساب حان أوانه! ولكن تبقى في نهاية المطاف قناعات راسخة في الذّهن تتحكّم بمسار الأمور وأحكامها. فالقناعة هنا ليست تلك التي صوّرها لنا الأقدمون أنّها كنزٌ لا يفنى، والرّضى بما قسم الله لنا ووزّع، بل هي القناعة المتأتّية من العقيدة والإيمان، التي تدخل من المسام إلى مجرى الدم، فتصبح نسيجًا يصعب إزالته.
كان مناوئو بطريرك إنطاكية وسائر المشرق يتّهمونه أنّه ينعزل إلى داخل حدود المتصرّفية هو وشعبه، وإذا توسّع فأقصى ما يمكن أن يدركه هو حدود لبنان الجنرال غورو و"البطرك حويّك". غبطة بطريركية تلامس حدودها مضيقَي البوسفور والدردنيل، إلى ضفاف سواحل فينيقيا والجليل وسائر المشرق، تنحسرُ لتنحصرَ داخل جبل عصيٍّ وأهله العُنُد، دون الإنصات إلى رعيّة هي منه وله، ولكن كلّ نقيصتها أنّها ليست ضمن "مجد لبنان الذي أُعطِيَ له"! لم يقبل أن يزور رعيّة له في سوريا، تبعد عنه مسافة بعد الديمان عن بكركي، فقط لأنّ النظام هناك يقمع حرّية أبنائه هنا، وهذا كافٍ بقناعته وإيمانه ووجدانه أن يحرم الرعيّة هناك من بركته، إن كانت هذه البركة ستُسجَّل في خانة المطبّعين مع ذاك النظام الجائر. لم يرضَ أن يساومَ كما ارتأى وكما ساوم غيره ليزور ذاك البلد طالما نظامه يظلم هنا. لم يقبل ولو تحت شعارات إنسانيّة كما تحجّج غيره، ولا حتّى نازعته نفْسٌ لملاقاة قداسة بابا كنيسته إلى هناك. كانت تصل إلى مسامعه همسات من أبناء كنيسته هناك حول حصر أبوّته بموارنة جبل لبنان، دون أنطاكية وسائر المشرق، ولكن لم يضعف ويتأثّر! فالقلب هنا، وإن كان أسيرًا أو مكلومًا، فلا طائل من البحث في حرّية الأعضاء الآخرين. أطلق نداءه الشهير بعد انسحاب جيش العدوّ الإسرائيلي بأسابيع قليلة، في حين كانت لا تزال بعض الأحزاب المسيحيّة التي انضوت في وقت لاحق ضمن حركة 14 اذار، تتحفّظ على كلمة "الإحتلال" السوري عندما كانت تجتمع اللجان الطالبية مع الناشطين لإصدار بيان في ذكرى "حرب التحرير"! كانوا يشترطون إبدال كلمة رفاقهم التي تدعو الإحتلال احتلالًا، بكلمة الوجود السوري، كي يمنحوا رفاقهم شرف التوقيع على البيان المشترك! في حين كان "بطرك بكركي" يدعو لانسحاب هذا الجيش من لبنان، طالما انسحبت اسرائيل! ربّما معادلة تستفزّ البعض أن يرى جيشين يقيمان فوق أرض لبنان عنوة، متساويين بالوظيفة والوطأة على اللبنانيين.
هو الذي انتُخِب بطريركًا في لحظة مفصليّة من تاريخ حرب لبنان، وبعد سوء تفاهم بين كنيسة الموارنة والحاضرة الفاتيكانية، كاد أن يتطوّر إلى شبه عصيان! فبعد أن عيّنت الكرسي الرسولي مطران صيدا ابرهيم الحلو قاصدًا رسوليًّا وقيّمًا على شؤون البطريركية بعد استقالة البطريرك خريش، وبعد معارضة أغلبيّة الأساقفة الموارنة لهذه الخطوة الرسوليّة. معارضة لامست حدود التمرّد وإن لم تقع فيها. وقبل انعقاد مجمع الأساقفة لانتخاب بطريرك جديد يحلّ محلّ المستقيل، شاءت الصدفة الإلهية أن يكون المطران صفير في زيارة لروما، ليتدبّر له رفاقه الكهنة هناك اجتماعًا مع قداسة البابا، يشرح له وجهة نظره ونظر رفاقه الأساقفة "الناقمين"، وليخرج بعد هذا اللقاء الذي تبعته دعوة على الغداء مع قداسته، حاصلِا على البركة الرسوليّة ورضى الروح القدس، ليلتئم مجمع الأساقفة بعدها بأيّام قليلة، وينتخب المطران صفير بطريركًا كتسوية وخيارٍ ثالث بين قطبَي الجولات الخمس الانتخابيّة، يوسف الخوري مطران صور، وابرهيم الحلو القاصد الرسولي مطران صيدا، والذي كان مدعومًا وبقوّة من الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، التي بادلت البطريرك الجديد بحملة مركّزة ضدّه ونقمة كانت عدائيّة في الفترة الأولى، قبل أن يعرف البطريرك الجديد كيف يمتصّها ويروّضها.
بطريرك لم ينجح في لمّ شمل قادة رعيّته السياسيّين، ربّما لعنادٍ متجذّر فيهم، وربّما لقلّة حزم منه، أو تهمة بانحيازه إلى طرف هذا دون ذاك! ربّما "انجرّ" إلى السير في ركاب أهل الطائف وقيامه بدور العرّاب لهذا الاتفاق الجائر في نظر قسم كبيرٍ من اللبنانيين، وخصوصًا لبنانيّي كنيسته! فبالرّغم من أنّه كان يدرك جيّدًا أنّه شرٌّ، ولكن يبقى كما أسرّ لمخلصيه أنّه أهون الشرّين! وربّما هذا ما حداه إلى القول بعد مضيّ سنتين من تلك البركة المقرونة بموافقة علنيّة على ذاك الاتفاق، وبعد استسلام العماد عون "حقنًا للدماء وحفاظًا على ما تبقّى"، أن يقول تلك الجملة الشهيرة والملتبسة، والتي حقنت النفوس لسنين طويلة، وتركت جرحًا غائرًا لا يلتئم أو يعرف السكينة! ربّما كابوس تقاتل الإخوة زال كما اعتقد، ولكن كابوس الاحتلال تفشّى أكثر وتوسّع، ليحكم الخناق على كلّ مفاصل الجسد. كابوسٌ زال من هنا، ليحلّ محلّه كابوس آخر، أبقى وأشقى، ولتبقى الدوّامة هي هي، تعمل وتدور. وبعد "أهون الشرّين" الطائفي، وقبل زوال الكابوس، كانت هناك محطّة مؤلمة وبشعة وسوداء، تركت أثرها البالغ عنده، ورافقته حتى فارقته الحياة! هذا الغضب الذي لم يفتر يومًا عنده، وربّما لم يتجاوزه إلى فسحات المسامحة والغفران، بالرّغم من كلّ الوقائع التي توضّحت لاحقًا، والمقرونة بسرّ كنسيّ يوضح ويبيّن الخيط الأسود من الأبيض. ولكن بقي الغضب في النفوس، والجرح بقي مفتوحًا، حتّى حدا بوزير ونائب كان سابقًا وعاد حاليًّا، إلى الهمس في أذن الجنرال عندما كان يهمّ بعد العودة من المنفى إلى زيارة الصرح البطريركي واقفًا عند خاطر سيّده، لم يتردّد ذلك السياسي من القول للجنرال: "لو ضوّيتلو صابيعك العشرة، فلن يرضى عليك"!
لا شكّ أنّ اللبنانيين لاحظوا أمس وخلال مراسم الجنازة، تهيّب رئيس الجمهورية بالمناسبة وتأثّره البالغ، بينما كان الآخرون يتهامسون ويتسامرون! لا شكّ أن نقاط الخلاف بين الرجلين لم تكن قليلة، ولكن كانت القناعة الراسخة والإيمان بما يقومان به هو الجامع المشترك، على نقيض الآخرين الذين كانوا يأخذون المقام وصاحبه لغاياتهم السياسية.
ربّما ظُلم سيّد بكركي من البعض، وربّما ظلم نفسه، ولكنّ الظلم الأكبر له كان عند مماته، عند محاولة استثمار البعض لهذا الموت المقدّس بطريقة رخيصة ولغرض الإستغلال السياسي، وتقزيم قامة وهامة طبعت تاريخ الموارنة لنصف قرن، إلى مستوى ناشط سياسيّ في حزب، أو بأحسن الأحوال مرشدًا أعلى لهذا الحزب دون غيره! لا شكّ أنّ مَن يعمل كثيرًا، سيكون له النصيب الأكبر من الأخطاء عن غيره من العبيد البطّالين كما أسماهم المسيح، ولا شكّ أنّ غبطته عمل كثيرًا، فأصاب في مواضع كثيرة، وخاب ظنّه أو ظنّنا في مطارح أخرى، ولكن يبقى من القادة التاريخيين في الكنيسة، تاجر بالوزنات العشر التي أُعطيَت له، وهو يؤدّي الحساب عنها عند العادل.

Refresh

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...

ضرائب جديدة

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض...