قميص حنكش "العثمانيّة"

Nadim Labaki

ألِس لم تذهب إلى بلاد العجائب، بل هي ذهبت إلى حيث الرّوائع وما يبهر العين ويسحر اللبّ، ويأخذ ما بقي من دهشة فلتت من طفولة، وسكنت في زوايا الذاكرة تلهمُ المخيِّلة بقصصٍ ورواياتٍ، وحكايا الجدّات إلى الأحفاد بعد طقوس التمدّد فوق جلد الخروف قرب النار المصطلية، والرؤوسُ مُتْكأة إلى الأحضان الدافئة، والجدّات يغزلن القصص وينسجنها نسيجًا محكَمًا، يأخذ عقول الأحفاد إلى غابات النُّور والسِّحْر، لينسلّوا كالطّيف بين جانحي نسر، ويطوفوا فوق أرض البخور والعسل وأنهار اللبن.

ألِس ذهبت إلى بلاد الروائع، ولم يُعرَف بعدُ لماذا الترجمة العربيّة أصرّت أن تخدعنا بكلمة غامضة، تحمل في طيّاتها كمًّا واسعًا من الخداع والغموض والحيرة! فما رأته العزيزة ألِس هو من الروائع، ولو أنّه تحت الأرض وفي جحر أرنبٍ، يفضي إلى فضاءات سفليّة لا متناهية! أمّا العجائب فلن تراها ألِس إلّا اذا زارت بلادنا وخالطت شعبنا وأحزابه العجائبيّة! العجائب هنا يا عزيزتي، فلا تتلهّي بعَقْد الأقحوان وملاحقة أرنب مخادع كبعض إعلاميّينا، يلبس ساعة رولكس في يده، ويلفّ حول عنقه رباطًا ككبار قومنا وعلّيته. هل رأيتِ في بلاد عجائبك المزعومة نائبًا تلهبُ قميصُهُ مشاعرَ الجماهير (الواقفة ع سلاحاتا)؟ عذرًا يا لولو، هل سمعتِ نقول لكِ جماهير ونحن نتكلّم عن حزبٍ بات نادٍ رياضيٍّ كنادي النجمة يحشد جمهورًا أكثر منه؟ عذرًا مجدَّدًا من نادي النجمة وجماهيريّته إن قارنّاه بحزب لم يعد يملك سوى جمهور ضحل، لا جماهيريّة واسعة كبعض النوادي الرياضيّة. فنادي الشانفيل "بلا زغرة" ورغم حداثته الرياضيّة، بات يغطّي على صوت المقدح الرحباني، ويلعب لعبًا "بالطّابة" ويأكل جمهور حزب الحَكَم بيار الجميّل!

الشانفيل "بيعمل فول هاوس" في ديك المحدي، والكتائب تحفر عميقًا وتثير النعرات وتنكأ الجراح وتمسك الغرائز من أذيالها، لتحشد رهطًا يقارب" تعباية بوسطتين" من أسطول حافلات أبو الياس البتغريني. حزبٌ بدأت مسيرته النضاليّة من مباراة لكرة القدم كان حكمُها الشيخ بيار، وتنتهي اليوم مع جمهورِ حزبٍ كجمهورٍ كرويّ لمباراة ريعيّة في ضيعة "البيتين وتنّور"! حزبٌ بات كهيئة الإغاثة، لا نسمع باسمه ونحسّ بوجوده، إلّا عند حلول الكوارث الطبيعية وطوفان النفايات العائمة عند مصبّ الأنهار، أو عند محاولة وصل ما انقطع من خطّ التوتّر العالي في المنصوريّة سابقًا، وأرض معركة صفّين حاليًّا! فأين قميص "حنكش" تلهب حماسة الجماهير، عفوًا الجمهور، فتتكهرب النفوس، وتُشحَن المشاعر، فنرى مشهد "غضب الجمهور" العالي الفولتاج، ينتفض لخلع زرّ القميص من العروة الثالثة التي تلامس ناحية القلب في قميصٍ حنكشيّة التصميم، تضبُّ قليلًا تحت الإبط لتخفي بعض القيراطات الزائدة من اللحم فوق الوركَين، لانشغال نائب الأمّة المارونيّة بعمله التشريعيّ عن هوايته في لعب كرة القدم الجُمَيليّة. حنكش الذي بدأ يتخوّف عليه بعضُ الرفاق والأصدقاء من إقصاءٍ مفاجئ عن المشهد السياسي، أو تهميش متعمَّد من عائلة الحزب! فحزبٌ كحزبه يصارع الحياة بعجائبيّة "أليسيّة"، لا يحتمل نشوء قضيّة عظيمة في صفوفه تضاهي قضيّة الكتائب المقدّسة في إنقاذ هذا الشرق الملعون! حزبٌ يحتمل أن يطلع منه كلّ يوم، رعاعٌ من صفوفه، فاجرون حمقى وواهمون، لا يحفظون المقامات والكرامات وماء الوجه، فتخرج من أفواههم "مجارير" تحاول أن تلوِّثَ كبارنا وتلطّخَ جباههم العالية وأبوّتهم التي ظلمت نفسها عندما ارتضت أن تتبنّى لها أبناءً عاقّين جاحدين، سفهاء منافقين، "بلا أصل وبلا وجدان"! يتحمّل هكذا حزبٌ هكذا رعاع، ولكن لا يحتمل رؤية قميص، يمكن أن تكتسب رمزيّة ما في أذهان جمهورٍ ضحلِ التفكير وعديم التنشئة التي ينشأ عليها "ولاد الأصل والأوادم".

مشهديّة كهذه ربّما هي مستفزّة، مع كل هذا النفاق والتضليل والعربدة، "في القول والفعل والإهمال" كما تقول كلمات فعل الندامة عند المؤمنين. وربّما أيضًا براءة لا طائل منها إن نازعت نفسًا وراودتها أن ترتجي خيرًا من أولاد الشائعات والنفاق. فالعوسج لا ينتج تينًا ولا الشوك عنبًا، كما حذّر المعلّم صحبه من أن يقعوا في هكذا مراهنات خاسرة ومؤذية! ولكن تبقى النقطة المضيئة الوحيدة في هذه العتمة، أنّ مثلَ هؤلاء إلى تناقص وتهافت وانسحاق، وكلّ هذا الحقد لن يقوى إلّا على قتل صاحبه.

Refresh

 

مقالات مشابهة

التسلم والتسليم المستحيل: عبثاً زوروا مستندات في بلاط للإطاحة بـ عبدو عتيق

هناك من يستصعب التسلم والتسليم؛ ليس في السياسة فقط إنما في الصحافة والتربية والاستشفاء والزراعة والصناعة و... البلديات؛ ...

وداع أبعد من الاستغلال الرخيص للموت المقدس

ربّما ليس مهمًّا إن أصاب المرء بأعماله، أو خابت حظوظه ومقاصده، بقدر أهمّية رسوخ القناعة في فكره وقلبه وقت العمل. ربّما "...

رولا الجدايلها شُقر: تشرّع بإتقان

يتناقل مقربون من الرئيس الحريري عدّة روايات حول حقيقة تحوّل "زيادة العدد" إلى نائب في البرلمان. يقولون أنّ الفريق المولج...

بيار عطالله يكتب فصلاً من نضالات مؤسسة حقوق الانسان والحق الانساني

كتب الصحافي بيار عطالله على صفحته على فايسبوك النص التالي: عندما تم توقيع اتفاق الطائف، عمدت نخبة من الناشطين في "مؤسسة ...