موقف من تحرك الجنود المتقاعدين

مالك ابي نادر

بداية وللإنصاف ان التهديد بحسم نسبة من معاشات التقاعد والتقديمات للموظفين والعسكريين فيه الكثير من الظلم والسرقة لان هؤلاء يسددون دفعات شهرية من رواتبهم خلال سني خدمتهم وادخارها لحين تبلغ اعمارهم سنين العجز ولذلك لا منة لاحد عليهم الا عرقهم ودمهم وكل كلام بان قيمة المحسومات كلها لا تبلغ ما يتقاضونه اليوم هو كلام تشبيح لان القيمة الشرائية لهذه الاموال يجب ان تساوي قيمتها الشرائية يوم حسمها والتعويضات التي يحصل عليها متقاعدي الاسلاك الامنية هي ايضاً حق مكتسب لهم لانهم يخدمون وفق التدبير رقم 3 الذي يفرض عليهم المداومة بدوام يعادل ثلاث مرات اكثر من الموظف العادي لان يوم العمل للموظف ثماني ساعات بينما يوم العمل لهؤلاء 24 ساعة زيد عليهم عملهم ايام العطل وفي اخطر الظروف.

فلا تتضاعف رواتبهم 3 مرات، كغيرهم، بل راتب او اكثر عن كل سنة خدمة يدخرونها في عهدة الدولة ليحصلوا عليها بعد خروجهم وجلهم يستعملها في اقتناء مسكن مقبول يقيه وعائلته التشرد او يسددها اقساط لإكمال تعليم اولاده ومنهم من يستعملها لشراء راحته بعد ان تكون سني خدمته قد سببت له اعاقة او مرضاً او تعطيلاً جسديا وكل كلام عن ارتفاع هذه الرواتب والمخصصات نسبة لبقية الدول هو مجافٍ للواقع لان اغلبية الدول تقدم للمتقاعدين حزم مجزية من التقديمات والاعفاءات في المسكن والطبابة والطعام وتعليم الاولاد حتى في الترفيه، وهذه جميعها لا يسمع بها المتقاعد في لبنان بل ان اكثرية الضباط تراهم يعملون لدى السياسيين او الشركات الكبرى لسد حاجاتهم وكذلك العناصر يعملون سائقين او في شركات الامن او غيرها.

والا اعيدوا العسكر الى الثكنات ليعمل بدوام عادي واوقفوا العمل بالتدبير رقم 3. والكلام ان المالية العامة لا تتحمل هكذا رواتب والحسم يحصل في كثير من البلدان لتلافي التضخم والعجز المالي هو حق يراد به باطل في لبنان لان من يدعو لاعتماد هذه الوسائل "بعضهم الكثير" من اللصوص الذين سرقوا ونهبوا واستباحوا مقدرات الدولة والان سنحت لهم الفرصة ليقتطعوا من رواتب الذين أفنوا عمرهم في خدمة لبنان لكي يسرقوا من جديد.

يكفي ان نعلم ان مبدأ الملائمة في الوظائف والعمل يعطي "للضابط العام" موقع وظيفي يجب ان يعادل في تقديماته وظيفة مدير عام او رئيس مجلس ادارة عامة! و"الضابط القائد" تتساوى رتبته بالفئة الثانية الخ.

تصوروا الظلم والقهر الذي عاناه هؤلاء الضباط وفارق المعيشة بينهم وبين مثلائهم في الادارات العامة !

ولكن ما لفتني هو التعرض المشين لتحرك كل هؤلاء الحضاري دفاعا استباقيا عن لقمة عيش عائلاتهم فكل دول العالم تشهد تحركات مثلها من ضباط وحتى نواب ووزراء متقاعدين فالمطالب المعيشية شكلت على مر التاريخ عناوين مشروعة للتحركات الشعبية العلنية والسرية.

وما زاد عجبي اتهامهم بان لهم اهداف سياسية! الا يحق لهم العمل السياسي؟ الا تتضمن كافة الكتل السياسية نواباً ووزراء وقادة من المتقاعدين مدنيين وعسكريين؟ الم تتسلق كافة الاحزاب درجات عملها السياسي وهي تعلن حرصها على لقمة المواطن وفرص عمله من جور بعض الحكام اللصوص والسارقين؟

اين الخطأ في التحركات الحضارية للمطالبة بالحفاظ على الحقوق المشروعة؟ واين الخطأ في الطموح السياسي لدى كل من تصدر تحركاً مطلبياً؟

والكلام ان التحرك لا لزوم له لان فخامة الرئيس وعد المتقاعدين بعدم مس حقوقهم لا يصطلح لان الكل يعلم ان صلاحيات فخامته لا تسمح له بان يبت بالملف كما يراه فتوزع السلطات والصلاحيات والبعد المذهبي لكل ملف يقاربه فخامته يجبر المتقاعدين على مواكبة اي موقع دستوري يؤيد مطالبهم خاصة اذا كان هؤلاء من كافة المذاهب والطوائف فلا يتهم حينها بالمذهبية ولا توضع في طريقه الخطوط الحمر ولا يُهدد البلد بالصراع المذهبي.

اما القول ان بعضهم يستغل التحرك لاستهداف فخامته وعهده فالحملات ضد فخامته لم تتوقف منذ 1988 ولكنها لم ولن تنال من مواقفه لانه ليس فقط "بي الكل" فهو ايضاً "اقوى من الكل" لانه لم يطلب يوما شيئاً لنفسه.

بالنهاية لا يحق لجوقة من اللصوص ان تتطاول على حقوق الفقراء والشرفاء في هذا البلد تحت اي عنوان او ظرف.

Refresh

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...

ضرائب جديدة

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض...