اضطراب يصيب حركة بيت فرنجيّة

نديم لبكي

"إذا جُنَّ عدوّك، فافرح له" حكمة لطالما تناقلها الخلفاء عن الأسلاف، ورافقت الأبناء مع الأموال المنقولة وغير المنقولة المتوارَثة عن الآباء. فعندما يجنّ المرء، يكون قد فقد السيطرة على نفسه وأعماله، ليكون السقوط مسألة وقت، وخبرًا لأفعال ناقصة كانت تتفاقم وتخرج عن السيطرة.

ليس بالأمر الهيّن على سياسيّ، كان يصبو دائمًا ليكون زعيمًا على مساحة الوطن، أن يتقزّم طموحه لينحصر كلّ همّه ألا تفلت منه زعامة ديرته وأهل عشيرته. سياسيّ لطالما تباهى مناصروه وبيت "عمّته" أنّه سليل بيت إقطاعيّ، يمقت الفلّاحين ورائحة التراب التي تعبق منهم، والخير الذي ينسلّ من بين أصابعهم ليُخزَن في مخازن البكوات والمشايخ و"كبار القوم". بيتٌ سُخِّرت له كل إدارات الدولة طوال عشرين عامًا من "الوجود" السوري الضروريّ والشرعيّ والمؤقت، ليكتشف نفسه أوّلًا بين متساوين في زاوية قضاء لا أكثر. بيكٌ أُعطِيَت له كلّ التوظيفات في كلّ إدارات قضائه والمرافق والمؤسسات والمديريّات والمصالح والمستشفيات الحكوميّة والخاصّة، والمدارس والمعاهد والمشاعات والأوقاف والصناديق ومخاتير وبلديّات، وما يخطر على بال بشر وما لا يخطر عند العفاريت السود، ليجد نفسه يمثّل ثلث القضاء لا أكثر! تمثيله لا يزيد عن تمثيل بيت الدويهي إلّا ببضعة آلاف معدودة على إصبعين أو ثلاثة من اليد الواحدة. تمثيلٌ يقارب تمثيل "إبن معوّض" الذي حورب وأُرهِب من البيك طوال عشرين عامًا، حتّى أنّهم "استكتروا" عليه مدير مدرسة قريبًا منه، فأُنزِل المناصرون والحاملون دمهم على أكفّهم فدى البيك، ليمنعوا موظّفا رسميًّا من ممارسة مهامه وواجباته، فقط لأنه ليس من "خاصّة" السلطان!

جمهور ومناصرون سبق وأن نُعِتوا بنعوت مهينة ومحقِّرة وسفيهة، من البيك نفسه، فقط لأنّ الحماسة أخذتهم يومًا، وأخذوا المبادرة بالنزول إلى الشارع من دون رضى سلطانهم أو إشارة منه! سلطانٌ لم يتردّد في آخر انتخابات بلديّة أن يخطبَ وِدّ غريمه الزغرتاوي ويتحالف معه وهو يعضّ على الجرح مقدّمًا التنازلات ومخفّضًا من نبرة صوته، فقط لأن الحزبَين المسيحيين الأكبرَين كانا في مواجهة موحّدة ضدّه، والوقت ليس للتباهي "وقدّ المراجل"، بل لطلب "السّترة" والرحمة الإلهية. بيكٌ حَسِب أنّه باستمالته رئيس حزب مسيحيّ إلى جانبه، لأن مصيبةً تجمعهما، قادرٌ أن يرتكب "فاولًا" غير رياضيّ بحق غريمه الزغرتاوي، الحليف السابق له في الانتخابات البلديّة التي منعت عنه فضيحة كانت مقدّرة لو أنّ" إبن معوّض"تحالف مع الحزبَين في مواجهة البيك! هذا البيك الذي "نَتَعَ" تهمة ليلصقها بغريمه، كما كانت كلّ الأنظمة العربيّة البائدة "تنتع" اتهامات وأحكامَ تعاملٍ مع العدوّ، في كلّ مرّة كانت تجد نفسها في مواجهة أو أزمة أو استحقاق! تهمةٌ اعتباطيّة لا مسؤولة وهزليّة، من بيكٍ سكنه الوهم ليحسب أنّ حقّ الردّ غير متوفّر عند المتّهَم، أو أنّه سيتغاضى الأخير في الدخول في مهاترة كلاميّة تكون ردًّا على رسائله غير المسؤولة، وغير الحكيمة، والمتهوّرة! تهمة تركها البيك مبهمة قليلًا، ليترك لنفسه حيّزا يقدر أن ينسحب منه ويعود من هجومه المتهوّر "والولّادي"، نافضًا عنه غبار المعركة الدونكيشوتيّة. ولكن عندما جوبِه بما يلزم من الردود المناسبة من المعنيّين، انكفأ مطالبًا حاشيته بعدم الردّ على الهجمة المرتدّة التي شُنَّت عليه!

حسنًا، بعد كلّ هذه المقدّرات والأسلحة الفتّاكة التي وُضعَت بتصرّفه طوال عقدين، ولم يقدر أن يتفوّق على النائب ميشال معوّض إلّا بفارق ضئيلٍ ومن البيئة غير الحاضنة له! بالمقابل، كلّ مَن يعرف الخصوصيّة الزغرتاويّة، ولو بالحدّ الأدنى، يعرف تمام المعرفة أنّ أصوات "بيت الدويهي" هي أصوات "خاص ناص" لمرشّح بيت الدويهي وبغضّ النظر في أيّ لائحة هو، ومع مَن يتحالف ويوالي! هذا من دون الحاجة للإشارة أو الغوص في العلاقة التاريخيّة التي تحكم آل الدويهي مع آل فرنجيّة أو أيّ عائلة أخرى في القضاء! وكيف ينظر آل الدويهي إلى غيرهم في القضاء، وخصوصًا آل فرنجيّة ومرجعيّتهم السياسية! ولكن لنهمل هذين العاملَين، ولنتخيّل قليلًا، لو كانت كل تلك المقدّرات التي وُضِعت بتصرّفه موضوعة بتصرّف "بيت معوّض"، ولنتخيّل أيضًا لو أنّ آل الدويهي عادوا إلى موقعهم الطبيعي بمنافسة بيت فرنجيّة في القضاء، لا الوقوف إلى جانبهم، كيف قد تكون النتيجة؟!

من هنا يقدر المتابع أن يفهم، لماذا كلّ هذا التوتّر وهذا الاضطراب اللفظي والحركي الذي صبغ كلّ حركة بيت فرنجيّة مؤخرا (الوالد والابن).

كما أنّ كلّ هذا التمخّض والاستحقاقات الاستثنائية التي تعيشها المنطقة مع لبنان، من توتّر خليجيّ يلفّ إيران ودول المنطقة كلّها، إلى الوضع الاقتصادي الداخليّ غير المسبوق بدقّته وحراجته، إلى السيادة الوطنيّة على أراضي الجمهوريّة ومحاولة البعض لعمليّة "قبّ باط" قد يستغلّها العدوّ في حربه ضدّ المقاومة أو ضدّ لبنان ككلّ، لم تعنِ كلّ هذه الأشياء وغيرها شيئًا للبيك! ربّما لأنّه قاصرٌ عن فهم واستيعاب ما يحدث حوله من متغيّرات ورَسْم خرائط جديدة، ولكن لأنّه واعٍ تمامًا أن العالم كلّه لن ينفعه أو ينجّيه، إن لم يمنع عن نفسه السقوط من الداخل!

Refresh

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...

ضرائب جديدة

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض...