مشروع باسيل: يوجد أو لا يوجد؟

غسان سعود

حتى الآن يمكن القول إن الوزير جبران باسيل أكثر ديناميكية في الشكل والمضمون كرئيس للحزب من جميع رؤساء الأحزاب الآخرين. عملياً، لا مجال للمقارنة بين استعداده الدائم لمواكبة حزبه ومتابعة الأنشطة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مروراً بجميع دول الانتشار دون تعب أو ملل أو كلل ومن يقتصر نشاطهم على زيارة لبيت سياسي بين رحلة صيد وأخرى أو من يستقرون في مقراتهم منتظرين زيارات الوفود ليخطبوا بهم ويودعونهم.

باسيل أكثر ديناميكية نعم، لكن حزبه لا؛ حالة الحزب والمحازبين من حالة جميع الأحزاب والمحازبين الآخرين، فلا ديناميكية ولا أفكار جديدة ولا سؤال مجرد سؤال عما يمكن فعله. وهنا لا بد من القول إن اهتمامات باسيل وأفكاره وطموحاته فيما خص العمل البلدي والبيئي والرياضي والزراعي والسياسي تحت سقف الحزب، تتقدم بأشواط اهتمام وأفكار وطموحات حزبييه، ولا سيما أولئك المنسقين الذين لا يريدون أن يكبدوا أنفسهم عناء تحضير أكثر من عشاء روتيني مقرف وممل كل بضعة أشهر.

لا يوجد منسق قضاء واحد يحمل مشروع متكامل لقضائه؛ حال المنسقين هنا من حال غالبية النواب: “هات إيدك والحقني". يحاول باسيل أن يجود بالموجود بين يديه، لكن اندفاع ما لديه وحماستهم ومواكبتهم لما يحصل حولهم أقل من اندفاعه وحماسته ومواكبته لما يحصل في العالم، أقله على الصعيد الاقتصادي. وعليه فعل باسيل كل ما يلزم لتأمين تصدير أكثر من 20 منتج لبناني من الصناعات الغذائية إلى أكثر من 40 دولة، لكن هل بادر منسق واحد إلى تأسيس تعاونية زراعية واحدة لتأمين تصنيع هذه المنتجات بالجودة اللازمة وتوفير خطوط تصديرها؟ لا طبعاً. هل بادر منسق واحد إلى البحث عن أسباب نجاح "بترونيات" في لعب دور اقتصادي مربح في أكثر من مئة بيت بتروني ليستنسخ التجربة نفسها في منطقته؟ لا طبعاً، بال غالبية هؤلاء بالربح السريع هنا وهناك الذي تتبعه خسائر سريعة أيضاً. هل أحضر أحد هؤلاء مشروع للسياحة الجبلية أو البيئية طالباً من باسيل استخدام نفوذه لتأمين إقراره وتنفيذه في منطقته لتأمين بعض السياحة المستدامة كما فعل باسيل حول قلعة المسيلحة وسدها؟ لا طبعاً، كل ما يفكر غالبية هؤلاء هو كيفية إقناع باسيل بتعيينهم أو تعيين أقربائهم في هذه الوظيفة أو تلك.

مع العلم أن الملاحظات تتجاوز المسؤولين الحزبيين هنا لتطال جزء كبير من النواب الذين يعتقدون أن زميلهم وهبي قاطيشا هو المثال الأعلى الذي يجب أن يحذو جميعهم حذوه. ومع ذلك كرئيس للحزب يمكن القول إن وضع باسيل أفضل من غيره، لكن هناك من لا يبالون بالأحزاب من قريب أو بعيد، ولا يعنيهم إذا ما كان باسيل ينام في كفرذبيان ويستيقظ في جزين ويتناول الغذاء في اليوم نفسه في زحلة قبل أن يتعصرن في عكار. هناك – وهم أكثرية – من لا يعنيهم أي شيء من هذا كله ويسألون عن النتيجة؛ عن الوضع العام؛ عن اقتصاد البلد. هناك من لا يلتفت إلى الاستقرار السياسي والأمني ولا يعنيه أي شيء غير وضع جيبه. رؤساء الأحزاب الآخرين ليس لديهم ما يقدمونه لهؤلاء، أما باسيل فيفترض أن يظهر باسم العهد أن لديه هنا مشروع. مشروع يتجاوز استراتيجية الترقيع المعتمدة منذ بداية الحرب؛ مشروع ينهي استراتيجية الوزارات الرديفة في رئاسة مجلس الوزراء التي تنفق دون أي حسيب أو رقيب، كما ينهي ظاهرة مزاريب الصناديق ويضع حد للاحتكارات الكثيرة والامتيازات الكثيرة أيضاً. والأهم الأهم هو إنهاء العمل بالمبدأ الذي يحكمنا لجهة وضع الدولة كلها بخدمة خمسة أو ستة مصارف وثلاثة أو أربعة زعماء.

غير الحزبيين أكثرية ساحقة، البعض القليل منهم لا يعجبه العجب وبدل أن يهنئ من يفعل شيء جيد وينتقد من يفعل شيء سيئ يوزع الانتقادات هنا وهناك، ولا تكاد تخبره عن معالجة مشكلة هنا حتى يسألك عن مشكلة هناك، أما الأكثرية فهم يراقبون بصمت ليحكموا بهدوء بينهم وبين أنفسهم، وغالبية هؤلاء يعرفون عمق الأزمة التي نتخبط بها كما يعرفون قوة المافيا الممسكة بالنظام الاقتصادي ويمكنهم التمييز جيداً بين من يحمل مشروع ومن يريد أن يمضي قدماً في استراتيجية طق الحنك التي يمكن أن تسلي الرأي العام لبعض الوقت لكنها لن تغير شيء في الواقع المأساوي.

الوزير جبران باسيل معنيّ بأن يثبت خلال الأيام القليلة المقبلة بأن الحزب والتكتل الذين يرأسهما وهما حزب وتكتل رئيس الجمهورية في الأساس إنما لديه مشروع اقتصادي؛ مشروع وليس ورقة أو تصور أو خطة أو ملاحظات؛ مشروع اقتصادي يرى كل مواطن بدايته ونهايته وتأثيره في كل قطاع؛ مشروع يربط القطاعات التي يعمل كل منها بكل ترف باستقلالية عن الآخر؛ مشروع دولة يحل محل الدويلات التي استحدثت على عجل لاسترضاء المليشيات. زعماء المليشيات لم ولن يعول عليهم هنا، كل ما يتطلعون إليه هو جوائز الإرضاء؛ الرئيس رفيق الحريري كان لديه مشروع تتفاوت الإيجابيات والسلبيات عند تقييمه أما سعد الحريري ومن معه اليوم فليس لديهم مشروع؛ لا أحد لديه مشروع، وهو أكثر ما يخيف غير الحزبي الذي يراقب بصمت وقلق؛ جبران باسيل مطالب بأن يثبت غداً أنه أكثر من مجرد رئيس حزب آخر، إنما هو يحمل مشروع. من يتابع حركته لتسويق لبنان في الخارج، ومن يتابع عن قرب أفكاره السياحية والبيئية وكل ما يتعلق بالمشاريع الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة يلحظ بعضاً من مشروع؛ هذا المشروع هو ما سيحدث الفرق.

Refresh

 

مقالات مشابهة

الرجل الذي أعلن الحرب علينا

تؤكد معلومات Refresh.com.lb أن "العاصفة المالية المفتعلة" التي أثارت ذعر اللبنانيين لن تكون الأخيرة أبداً، إنما هي البدا...

الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية لم تبدأ بعد

ليس المسؤولين وحدهم من يعيشون على كوكب آخر؛ الجزء الأكبر من الهائجين على مواقع التواصل الاجتماعي يعيشون كما يبدو من تغري...

سمير جعجع: إنه الفراغ

حمّل رئيس جهاز التواصل والإعلام في القوات اللبنانية شارل جبور مقاله الأخير في "الجمهورية" الكثير من المفاجآت. ففي سياق ت...

ضرائب جديدة

غالبية المواطنين لا يريدون تفاصيل؛ يريدون أن يعرفوا فقط ما إذا كان ثمة ضرائب جديدة تلوح في الأفق أم لا. حتى من لديهم بعض...